أقامت المكتبة الوطنية بدمشق محاضرة بعنوان “أهمية الأرشيف العثماني.. ذاكرة إمبراطورية”، قدّمها مدير مركز “يونس أمره الثقافي التركي” جنكيزإر أوغلو الذي قال عن هذا الأرشيف الذي يعد ثاني أكبر أرشيف في العالم من حيث كمية محتوى الوثائق التي تؤرخ لمراحل الدولة العثمانية منذ المؤسس عثمان أرطغرل.
قسمان للأرشيف
وبيّن أن الأرشيف يقسم إلى قسمين، قسم “الدفاتر والوثائق”، ومن أبرزها “دفتر المهمات” الذي يتضمن أبرز القرارات والمراسيم الحكومية والتي أقرتها الجهات السياسية والعسكرية والاجتماعية، وكذلك “دفتر الطابو والتحرير”، إذ كان العثمانيون كلما فتحوا منطقة أوفدوا إليها مسؤولاً أميناً لتسجيل عدد السكان ومصادر الدخل فيها وبكل تفاصيلها، ومن تلك الدفاتر أيضاً “دفاتر الصرة” وهي كمية الذهب والأموال والهدايا على اختلافها التي كان يرسلها سلاطين الدولة العثمانية إلى الحرمين الشريفين، حيث توزّع على الرعية من أغنياء وفقراء، وهو تقليد متبع منذ أيام العباسيين والأمويين، وأيضاً “دفاتر نظارة الصحة” عن الشؤون الصحية والموظفين الذين كانوا يعملون فيها، وحل الخلافات الناشئة عن استيراد أو تصنيع مختلف الأغذية والأدوية، ويتضمن الأرشيف أيضاً “أوراق يلدز”، وهي دفاتر تحتضن بعض صور حياة السلطان عبد الحميد الثاني الذي سكن في هذا القصر وبعض الخرائط التي كان يرسلها المواطنون إلى السلطان ومجموعة الصور والرسوم ونسخ القوانين والدفاتر الشخصية وحافظات الأوراق وبعض الخرائط التي استخدمها السلطان. وأيضاً وثائق الوزارات التي تضم أهم الأحداث الداخلية والخارجية التي شهدتها الإمبراطورية العثمانية، و”دفاتر الكنائس” لأن معظم الكنائس في فترة الدولة العثمانية مقيدة في هذه الدفاتر وحتى أعمال الترميم وكذلك الأديرة والمعابد والمقابر ودور الأيتام.

أرشيف مستقل ومتاح
ولفت أوغلو إلى أن الأرشيف متاح رقمياً بنسبة 25 بالمئة، وربما بالمستقبل يمكننا أتمتة الأرشيف كاملاً، ولا حدود للوصول إلى الأرشيف، وهو متاح أمام أي زائر مهما كانت جنسيته، مشيراً إلى أنه تم اعتماد الوثائق العثمانية في قضايا النزاعات الحكومية والتحاصص ونقل الملكيات وغيرها.
وكشف أن الأرشيف العثماني مستقل تابع لرئاسة الجمهورية، ويمكن عمل معاهدات واتفاقيات تعاون مع الدول التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية، وقد خدم دول البلقان وأعطاهم كل ما طلبوه من الأرشيف العثماني، آملاً أن تصل الدولة التركية بمساندة المكتبة الوطنية بدمشق إلى ذلك بهدف تعزيز التعاون والتبادل الثقافي بين البلدين.
وأوضح أن مئات الباحثين الأجانب اهتموا دراسة والبحث في الأرشيف العثماني على حين عدد قليل درسوا التاريخ والأرشيف العثماني، وربما يعود سبب عدم الاهتمام إلى أبعاد سياسية وعدم الدراية الكافية باللغة التركية، لافتاً إلى أن المدارس شوهت إلى حد ما التاريخ العثماني في الوقت الذي حافظت الدولة العثمانية على الدين الإسلامي.
150 مليوناً
وعرَض أوغلو عدداً من الصور لمقر الأرشيف العثماني الحالي وقاعاته وأخرى للمبنى القديم، مؤكداً أنه يتألف من ٧ طوابق مقاومة للزلازل، وأنه يحتوي على مكتبة تختزن كل المصادر المهمة عن تاريخ الدولة العثمانية وبعيداً عن جنسية الكاتب يمكن الوصول إليها. كما أكد أن المبنى يحتوي على قاعة للباحثين تتسع لـ300 شخص في وقت واحد، موضحاً أن الأرشيف يحتوي 150 مليون وثيقة والدفاتر المهمة جداً إلى حد بعيد ويحتوي كل واحد منها على حوالى 600 صفحة.
كما عرض أيضاً بعض مخطوطاته ووثائقه، من بينها الجسر المعلّق في إسطنبول الذي كان مخططاً إقامته أثناء حكم عبد الحميد الثاني لكنه أنجز في منتصف القرن الماضي وصور لبعض الفرمانات التي كانت تقرها الدولة العثمانية.
الثقافة التركية
وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، بيّن أوغلو أن الهدف الأساسي من هذه اللقاءات هو نشر الثقافة التركية الصحيحة في المنطقة، لأن الثقافة التركية للأسف في معظم الدول العربية لها مفهوم مغلوط ومزيف، ولا يعكس الحقيقة التاريخية القيمة لهذه الثقافة، ونهدف في الدرجة الأولى إلى تعليم اللغة التركية ونشر ثقافتنا الصحيحة لكل العالم.
وقال: “حاولت قدر الإمكان تقديم المعلومات القيمة عن الأرشيف العثماني القيّم والمهم للإخوة السوريين الحاضرين، بسبب احتضانه لتاريخ المنطقة ولجميع الوثائق السياسية والاجتماعية والثقافية وكل ما يهم السكان، وهي وثائق مهمة يجب الاطلاع عليها، وإنه يؤسفنا أن معظم الكتب والأبحاث التاريخية السورية لا تعتمد أي مصدر تركي، ونظراً لأن الدولة العثمانية انضوت تحت رايتها كثير من الشعوب والأمم في قارات إفريقيا وآسيا وأوروبا، فإن أهمية الأرشيف العثماني تتجاوز لكونها ثروة يعتمد عليها تاريخ تركيا وحدها”.
وأشار إلى وجود مستشفى لإصلاح الأوراق المتهالكة والمهترئة من الوثائق بسبب قدم تلك الأوراق وكثرة استخدامها، مبيناً أن كل من كان موظفاً في الدولة العثمانية له قيود نفوس وشجرة عائلة في الأرشيف العثماني ويمكن الوصول إليها، لكن البحث يحتاج إلى وقت وجهد كبير جداً. خاتماً: “بحثت عن شجرة عائلتي ووصلت آليها ولكن ذلك احتاج مني بضعة سنوات”.
تصوير: مصطفى سالم







