تمثل التوغلات الإسرائيلية المتكررة في محافظتي درعا والقنيطرة، وما رافقها من اعتداءات على بلدة عابدين في ريف درعا الغربي، مؤشراً على انتقال حالة الاستهداف من نطاق الحوادث العسكرية المحدودة إلى نمط من التصعيد الممنهج الذي يعكس مقاربة أمنية–سياسية أوسع، إذ لا يمكن فصله عن ديناميات عدم الاستقرار الإقليمي المتصاعد، حيث تتقاطع الاعتبارات العسكرية مع حسابات النفوذ الجيوسياسي ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
ويرى مراقبون أن ما شهدته بلدة عابدين من قصف مدفعي واستهدافات ميدانية، وما نتج عنه من ترويع للمدنيين ونزوح مؤقت لبعض الأهالي، يعكس طبيعة الاستهداف الممنهج للبنية الاجتماعية والأمنية في الريف الجنوبي لسوريا، حيث لا يقتصر الضرر على الخسائر المادية، بل يمتد إلى زعزعة نمط الحياة اليومية وإرباك المجتمعات المحلية، وفي هذا السياق، يصبح التهديد الإسرائيلي عاملاً مباشراً في تقويض الاستقرار المجتمعي وإعادة إنتاج حالة عدم اليقين.
وحسب المراقبين، فإن هذه الاعتداءات تكشف عن محاولة لفرض واقع ميداني متحرك في الجنوب السوري، عبر التوغلات المتكررة وإطلاق القذائف وإقامة نقاط عسكرية مؤقتة، وهو ما يُعد انتهاكاً صارخاً لمرجعيات التهدئة القائمة منذ عقود، فضلاً عن أن استمرار هذه الممارسات يعكس تجاهلاً واضحاً للالتزامات الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد في مدى قدرته على فرض احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وفي المقابل، برزت موجة واسعة من الإدانات العربية والإقليمية لهذه الاعتداءات، شملت مواقف رسمية من عدة دول عربية ومنظمات إقليمية، أكدت جميعها على دعم سيادة سوريا ووحدة أراضيها ورفض أي مساس بأمنها، هذه المواقف تؤشر إلى إدراك متزايد لخطورة استمرار التصعيد على الأمن الإقليمي ككل، وليس على سوريا وحدها.
من جهة أخرى، تعكس مشاهد التضامن الشعبي داخل سوريا وعودة بعض الأهالي إلى منازلهم رغم المخاطر، تمسكاً واضحاً بالحياة اليومية ورفضاً للاستسلام للضغوط العسكرية، وهو ما يعزز من مؤشرات الصمود المجتمعي، وفي هذا السياق، تبدو الاعتداءات على عابدين وما حولها جزءاً من مسار تصعيدي مفتوح، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التوترات المستمرة.
وفي هذا السياق، يذهب محللون في قراءة التصعيد الإسرائيلي بوصفه انعكاساً لتداخل الضغوط الداخلية مع التحولات الإقليمية، ولا سيما الحرب مع إيران وتطورات الساحة اللبنانية، بما يعكس محاولة لإدارة التوتر عبر نقل جزء من الضغط إلى الساحة السورية ضمن بيئة إقليمية شديدة التشابك.
الوطن – أسرة التحرير








