المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“إيجل هيلز” في سوريا.. استثمار عقاري ضخم واختبار لمعادلة الإعمار والتنمية

‫شارك على:‬
20

رأى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن توقيع اتفاق إطاري في قصر الشعب بدمشق بحضور الرئيس أحمد الشرع بين وزارتي الأشغال العامة والإسكان والسياحة السورية وشركة إيجل هيلز العقارية الإماراتية يمثّل خطوة استراتيجية في مسار إعادة الإعمار الاقتصادي والتطوير العمراني في البلاد، لافتاً إلى أن هذا الحدث يعد صياغة لملامح الشراكات الإقليمية باعتباره يجسّد عودة تدفّقات رؤوس الأموال الخليجية الكبرى إلى السوق السورية عبر مشروعات ضخمة متعدّدة الاستخدامات.
وبيّن عياش في تصريح لـ”الوطن” أن الاتفاق الإطاري يشتمل بشكل أساسي على مشروعين سياديين يدمجان البنية التحتية العمرانية بالجذب السياحي، الأول مشروع “تلال دمشق العقاري” في منطقة دمّر، والذي يُعد الأضخم مساحةً، حيث يمتد على مساحة تقديرية تقرب من 33 مليون متر مربع، وهو مخطط كمدينة متكاملة تضم زهاء 73,000 وحدة سكنية، ونحو 3,200 غرفة فندقية، إلى جانب مساحات خضراء شاسعة ومرافق ترفيهية تتجاوز 7 ملايين متر مربع، مما يستلزم شق شبكة طرقية داخلية تمتد بين 220 إلى 320 كيلومتراً، أما المشروع الثاني فهو مشروع “اللاذقية السياحي”، والذي يركّز على استغلال الواجهة البحرية والساحل السوري بمساحة تصل إلى 15 مليون متر مربع.
يهدف المشروع إلى ترسيخ حضور الساحل على خريطة السياحة الإقليمية والعالمية عبر مجمّعات فندقية ووحدات مصيفية وتجارية متكاملة الخدمات.
ولفت عياش إلى أن هندسة هذه المشاريع تتسم باستهدافها لشرائح متعدّدة المستويات، الشريحة الأولى هي شريحة المستثمرين والمغتربين باعتبار أن هذه المشاريع تسعى لامتصاص مدّخرات المغتربين السوريين ورؤوس الأموال الخليجية الباحثة عن أصول عقارية ذات عائد طويل الأجل في سوق متعطشة للتطوير، أما الشريحة الثانية المستهدفة فهي الطبقة الوسطى، باعتبار أن الوحدات السكنية المشيّدة تؤمّن خيارات للموظفين والمهنيين والشركات المحلية الباحثة عن بيئات عمل وسكن حديثة ومنظمة، مما يقلّل الضغط على مراكز المدن التقليدية والمزدحمة، في حين أن الشريحة الثالثة المستهدفة هي شريحة قطاع الأعمال والشركات الدولية، حيث إنه من خلال تشييد المراكز التجارية ومقرات الأعمال الفاخرة الملحقة بالمشروعات، تُستهدف الشركات المحلية والأجنبية الساعية لتأسيس مقار إقليمية بدمشق والساحل.
وأكد عياش أنه من المنظور الجيو اقتصادي، يثير توقيت وحجم هذه المشاريع، فتشير تقديرات دراسات الجدوى الأولية للمخططات التنظيمية إلى أن الكلفة التطويرية للمشروعين قد تتجاوز 50 مليار دولار على مدى سنوات تساؤلات حول الأولويات، مبيناً أنه من الناحية الاقتصادية وفي ظروف بلدنا الحالية لا توجد أولوية للمشاريع العقارية عموماً إلا إذا كانت تخدم عملية إعادة الإعمار من خلال الإسكان، أي تأمين السكن للمهجّرين وإعادة بناء وتأهيل المساكن المدمّرة كلياً أو جزئياً بالإضافة إلى تغطية جزء من الطلب المتزايد على السكن المناسب للدخل.
وكذلك المشاريع العقارية المتعلّقة بالبنية التحتية الإنتاجية، فهذان العاملان أساسيان للتعافي.
وأضاف: إن الأولوية الهيكلية هي معالجة فجوة السكن، حيث تؤكد تصريحات وزارة الإسكان أن قطاع التطوير العمراني والسكن يمثّل التحدّي الأكبر لدمشق مستقبلاً، وتشير التقديرات الحكومية السابقة إلى حاجة البلاد لـ 100,000 وحدة سكنية جديدة كحد أدنى للاستجابة المباشرة لمتطلبات الاستقرار السكاني، وبالتالي فإن مثل هذه المشاريع تسعى لتغطية فجوة السكن جزئياً.
وتابع عياش: في الوقت الذي تعاني فيه البلاد تضخّماً واحتياجاً شديداً لترميم قطاعات الطاقة والزراعة، فإن إطلاق مشاريع عقارية فاخرة قد يُنظر إليه تكتيكياً كأولوية “مؤجلة”.
ومع ذلك، تنظر الدولة لهذه المشاريع كـ”مغناطيس استثماري”؛ فدخول شركة عملاقة مثل “إيجل هيلز” يرسل إشارة أمان نقدية وسياسية للسوق الدولية، مما يمهّد لتدفّق استثمارات لاحقة لقطاعات إنتاجية أخرى.
وحول الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقّع، قال عياش: إن الأثر الاقتصادي لهذه المشروعات من الممكن أن يمتد على مدى زمني متوسط وطويل الأجل يقدر بما يقرب من 20 عاماً للتنفيذ والتشغيل الكامل ويتمحور حول قطاعات أساسية، فبالنسبة للقطاع السياحي، تشير التقديرات الأولية لوزارة السياحة إلى أن هذه المشاريع ستوفّر أكثر من 40 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وتشمل ما يزيد على 10 آلاف فرصة عمل دائمة في قطاعات الضيافة والخدمات، اما بالنسبة لقطاع الإسكان والبنية التحتية فمن المتوقّع أن تسهم الـ73 ألف وحدة سكنية التي ستُشيّد بدمشق في إعادة التوازن النسبي لأسعار العقارات عبر زيادة العرض المنظم، والتخفيف من العشوائيات، وتأسيس شبكات حديثة للطاقة البديلة والطرق والمياه تخدم المجتمعات المحيطة بالمنطقة.

وختم عياش حديثه بالقول إن هذا الاتفاق الإطاري يعمل كرافعة مالية تدشن لانتقال سوريا من مرحلة التخطيط والترميم الأولي إلى مرحلة الشراكات الاستراتيجية والتنفيذ الفعلي لإعادة الإعمار، موضحاً أنه رغم التحديات الاقتصادية والنقدية الحالية، فإن نجاح هذه التجربة العقارية سيعتمد على قدرة الحكومة على الموازنة بين تشجيع الاستثمار الفاخر، وتوجيه فوائده الرأسمالية والضريبية لدعم شبكات الأمان الاجتماعي والخدمات الأساسية للمواطن.