تُمثّل صفقة استيراد المشتقات النفطية السورية مع شركة أرامكو السعودية، عبر اعتماد مستندي بالتنسيق مع مصرف أميركي، خطوة مهمة نحو تنشيط القنوات المصرفية الدولية وتسهيل التجارة النفطية، بما يحدّ من تكاليف الاستيراد والوساطة المالية، ويسهم في تعزيز استقرار الإمدادات النفطية، وتخفيف الضغوط على السوق المحلية.
في هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش في تصريح لـ “الوطن” أن إصدار مصرف سوريا المركزي لأول اعتماد مستندي لمصلحة الشركة السورية للبترول بالتنسيق مع مصرف أميركي كبير لتسوية صفقة مع شركة أرامكو السعودية، يتجاوز كونه ترتيباً تجارياً عابراً، ليُشكّل إعلاناً رسمياً عن تفكيك العزلة المالية الدولية، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تأتي كترجمة مباشرة لرفع العقوبات الأميركية، وإعادة تفعيل حسابات المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إثر المباحثات الناجحة لحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان في نيويورك ، وتعتبر الانعطافة الأكثر أهمية في المشهد المالي والاقتصادي السوري منذ عام 2011.
دلالات الصفقة
وأوضح أن أهمية هذه الخطوة ودلالاتها يمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد رئيسة، فعلى صعيد الأبعاد المصرفية والمالية تُشكّل هذه الصفقة إعلاناً رسمياً لعودة سوريا إلى نظام التسوية الدولي وقنوات المراسلة المصرفية، إذ إن قبول مصرف أميركي رائد وشركة بحجم أرامكو للتعامل المباشر مع المركزي السوري يُعد شهادة دولية على كفاءة منظومة الامتثال ومكافحة غسيل الأموال المعتمدة حديثاً، ويعيد تفعيل “الاعتماد المستندي” كأداة قانونية تضمن حقوق الطرفين وتلغي مخاطر الوساطة المالية البدائية المعقّدة، أما على صعيد الأبعاد التجارية والاقتصادية الكلية فتفتح هذه الصفقة الباب أمام القنوات الرسمية المباشرة للمساهمة في إلغاء علاوة المخاطر الجيوسياسية والعمولات الباهظة التي فرضها المستوردون الوسطاء لسنوات والتي كانت تؤثر في التكاليف والتسعير.
كما أن تنظيم المدفوعات عبر المركزي يُخفّف الضغط العشوائي على معروض النقد الأجنبي في السوق الموازية، مما يدعم استقرار الليرة السورية، علاوة على ذلك، يمكن اعتبار هذا الحدث المهم بمثابة الضوء الأخضر المالي الذي يلوح للشركات الإقليمية والعالمية بأمان المناخ الاستثماري والقانوني في البلاد.
انعكاسات على قطاع الطاقة
وبيّن عياش أن هذه الاتفاقية تأتي لتلغي بكفاءة الفجوة النفطية الضخمة في سوريا، وخصوصاً أن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 112 ألف برميل يومياً فقط مقابل عجز يُقدّر بـ200 ألف برميل، وفاتورة استيراد شهرية تصل إلى 831 مليون دولار، كما تسهم في تحقيق الاستقرار في الإمدادات النفطية إذ أن الشراء المباشر للمشتقات النفطية يحقّق تدفّقاً مستداماً ومجدولاً للشحنات مما ينهي أزمات الندرة واختناقات النقل والكهرباء، إضافةً إلى ذلك فإن هذه الصفقة تؤدي إلى الحصول على منتجات نفطية ذات جودة ونوعية نوعية باعتبار أن التوريدات من أرامكو تتميز بالجودة العالية ومطابقة للمواصفات الدولية، مما يرفع كفاءة الاستهلاك الصناعي. إضافةً إلى الإسهام في تحقيق هيكلية في التسعير باعتبار أن غياب تكاليف الالتفاف المالي واللوجستي يؤدي إلى انخفاض الكلفة الإجمالية للبرميل الواصل للموانئ السورية (بانياس وطرطوس)، مما يمنح صانع القرار مرونة عالية لتثبيت الأسعار المحلية أو خفضها لدعم الإنتاج.
وختم عياش حديثه بالقول: يمكن اعتبار هذه الصفقة بمثابة خطوة تأسيسية لنقل الاقتصاد السوري من مرحلة إدارة الأزمة والندرة إلى مرحلة التعافي والنمو المستدام.









