الوطن ـ نجوى صليبة
عن دار “رسلان للطباعة والنشر والتوزيع” صدر كتاب “الأدب خارج الأسوار.. دراسة أدبية نقدية عن أيمن أبو الشعر أديباً متألقاً وشاعراً”، حررها وأعدّها كلّ من الدكتور راتب سكر أستاذ الأدب القديم والأدب العالمي والمقارن في جامعات حمص وحماة ودمشق، والقاصّ والروائي عبد الله النفاخ.
يقدّم الكتاب الدكتور عبد النبي اصطيف ـ أستاذ الأدب المقارن والنقد الحديث والترجمة في جامعة دمشق وأستاذ الأدب المقارن الزائر في جامعة بلاد الشام ـ ويوضّح: “بمناسبة بلوغ الدّكتور أيمن أبو الشعر الثمانين من عمره تنادى صحبه إلى إعداد كتاب احتفالي يجمع أصداء صلاته العربية تفصح عنها أصوات نرجو ألّا تحول سنواته الثمانون دون سماعها.. لأنها تصدر عن الروح والعقل والقلب في آن معاً، وقد أريد لها أن تكون إشادة بإنجازاته وما خلفه من آثار طيبة في بني قومه”.
يضمّ الكتاب أبحاثاً عدة، أنجزها عشرون أديباً، ويتناول كل أديب جانباً من جوانب تجربة أدبية غنية ومتنوعة لشاعر ومؤلف مسرحي ومترجم وواحد من رواد الأغنية السياسية إذ أسس في شبابه فرقة “سبارتاكوس”، ونضيء ها هنا على بعضها على سبيل المثال لا الحصر.
يتحدث الدكتور أنس بديوي ـ أستاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة دمشق ـ عن نص أيمن أبو الشعر بين المقروء والمكتوب، فيقول: “ما لا يمكن تجاهله هو اعتماد نص أبو الشعر على السماع، بمعنى أن قصيدته حافظت على التلقي التاريخي للنص الشعري العربي سماعاً، فهي خطاب يوجهه المرسل إلى متلق، يسمع النص من تطوير الشاعر لأدواته المعبرة عن الفكر والخيال، وهي اللغة منطوقة لا اللغة مقروءة، والتميز في هذا الشعر الجديد لا يمكن أن يصل إليه إلا الشاعر المبدع، الذي تجاوز غيره من الشعراء بما أنتجه خياله المبدع أيضاً”.
“تغريبة أهل الشام بين هاجس الفكرة وفتنة الفن” عنوان البحث الذي قدّمه الشاعر والناقد والدكتور ثائر زين الدين، وفيه يقول: “يواجه القارئ نصاً مثقلاً بأسئلة الوجود والتاريخ والسياسة لكنه يكتشف سريعاً أن هذه الأسئلة لا تطرح في هيئة أطروحات مباشرة بل في هيئة صور وأناشيد ومشاهد تتكثف فيها التجربة الإنسانية، فمنذ النشيد الأول تتأسس ثنائية الرحيل والجرح، لا بوصفها حدثاً عابراً بل بوصفها قدراً وجودياً: (كانت روحي ذلك البحار المجهد.. وعلى درجات المركب كنت على جرحي أصعد).. البنية العامة للنص تقترب من شكل الرواية الشعرية أو الملحمية الحديثة أكثر مما تقترب من القصيدة التقليدية، فهناك مسار سردي واضح يبدأ بالاقتلاع من المكان ويمرّ عبر البحر والمنفى والخذلان، والارتهان للقوى الكبرى، ثمّ يتشظى إلى محطات متعددة، قبل أن يفتح في نهايته أفقاً رمزياً للعودة، غير أنّ هذا المسار لا يُروى بطريقة خطية، بل عبر أناشيد مستقلة ظاهرياً متصلة جوهرياً، بحيث يغدو الزمن زمناً نفسياً أكثر منه زمناً تاريخياً، ويتجلى ذلك في قوله: (واليوم يغادرني أمسي.. لا ألمح آفاقاً لغدي)”.
ويقدّم الدكتور جمال أبو سمرة جزءاً من دراسة موسعة حول الموضوعية في شعر أيمن أبو الشعر ويختار “قارع الطبل الزنجي” أنموذجاً، يقول: “تتجلى الموضوعية في أعلى مستوياتها عبر الرؤية من الخارج التي تحوّل القصيدة إلى بنية مشهدية أقرب إلى السينما، بينما تحضر الموضوعية في “يوميات عاشق” و”الصدى” عبر الهامش الشعري الذي يمنح النص صوتاً موازياً يعمل على تقويم الرؤية، وكشف المسكوت عنه، وبهذا تتشكل خصوصية شعر أيمن أبو الشعر، موضوعية تُبنى لا لتُخفي، بل لتظهر بعمق أكبر وذات تنسحب لتفسح المجال للدراما، لكنها لا تتلاشى، ورؤيةاحتجاجية تتخفى خلف المشهد، لكنها لا تنطفئ”.
ويذهب الدكتور راتب سكر ـ أستاذ الأدب القديم والأدب العالمي والمقارن في جامعات حمص وحماة ودمشق ـ إلى “رؤى من قاسيون بين داغستان وقرغيزستان”: “اتسمت حياة الأديب الدكتور أيمن أبو الشعر بحيوية عامرة بالألفة والآلاف، متصلة بدأبيه الثقافي والاجتماعي اليوميين على تعميق صلاته الشخصية والمعرفية بكتّاب ومثقّفين من هويات لغوية وقومية في بلدان مختلفة، ولاسيما بلدان الشرق المرتبطة مع بلاده العربية بروابط ثقافية وتاريخية عريقة، وقد كنت مرافقاً بعض حواراته وتفاعلاته مع عدد غير قليل من كتّاب تلك البلدان ومثقفيها في النصف الثاني من عقد الثمانينيات الماضية من القرن العشرين”.
ويتحدث القاص والروائي عبد الله النفاخ عن استحضار الموروث الديني في أدب الدكتور أبو شعر: “لقد برز الدين ورموزه في شعر الدكتور أبو الشعر بروزاً دلالياً شعورياً، بتحميل تلك الرموز والعبارات إشارات دلالية، استخرج بها المادة الأدبية من النص الديني كما يفعل الأدباء الحق عادة، فيخلفون لذلك النص ولدلالاته فضاءات جديدة تكاد لا تنتهي، تجدد روحه ومعانيه على طول الأمد”.
أمّا الشاعر فرحان الخطيب فيضيء على مسرح أبو الشعر، ويختار مسرحية “رجل الثلج” القادمة ـ على حد قوله ـ من كهوف التاريخ لتتكلم الآن: “المسرحية لمن يقرؤها يجد أنها وإن اتكأت على مرتكز تاريخي محدد بالزمان والمكان، لكنها استطاعت أن تكون ببواعثها وشخوصها صالحة لأكثر من زمن بفعل قدرة أبو الشعر أن يصوغ الحبكة المسرحية من حوادث وشخوص وحوارات ويجعلها حمّالة للألم والأمل والموت والولادة والظلم ومحاولة للخروج من دائرته، وهذه العناصر الوجودية عابرة للوقت ما جعل المسرحية بقوتها الحكائية الممثلة على مسرح الحياة تعيد إنتاجها أكبر دار للنشر أمريكية “الأمازون” لتطرح للقراءة جيداً عبر أجيال تتعاقب زمنياً”.









