بعيداً عن الترندات والمزايدات، حديث الرئيس أحمد الشرع خصوصاً منه ما يتعلق بقضية الجولان المحتل، كان محط اهتمام قادة الدول المشاركين في أعمال الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وكان محوراً رئيسياً ركز عليه العالم بسكانه ووسائل إعلامه ومسؤوليه، في حين كان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخاطب كراسي فارغة.
الكاريزما والهدوء الذي طغى على الرئيس الشرع خلال إلقائه كلمة سوريا، وتأكيده مجدداً أن “الجولان سيبقى أرضاً سورية، وأن جميع إجراءات الضم باطلة وملغاة بقوة قرار مجلس الأمن رقم 497″، أذهلت لا بل أفقدت مسؤولي كيان الاحتلال صوابهم، بحكم أن كلامه جاء في وقت يسعون فيه من أجل طي قضية القسم المحتل من الجولان منذ العام 1967 وتسليم السلطات السورية الجديدة بذلك، وجعل أي مفاوضات قادمة تركز فقط على وقف توغلاتهم الجديدة منذ تحرير سوريا من النظام البائد أواخر العام 2024 ، والانسحاب من الأراضي التي انتشروا فيها منذ ذلك التاريخ.
الرئيس الشرع لم يكتف بذلك، بل أرسل رسالة بالغة خلال جلسة حوارية استضافها المجلس الأطلسي في نيويورك، لقادة الاحتلال ولكل من اعترف بسيادة إسرائيل الجولان، بحديثه أنه مازح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارة للبيت الأبيض، بشأن اعترافه بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وقوله له «لماذا تعطيهم الجولان ولا تعطيهم نيوجيرسي؟ أنت لا تملك الجولان لتمنحها لإسرائيل، ولكنك تملك نيوجيرسي!»، مشيراً إلى أن نيوجيرسي ولاية ديمقراطية ولا تنتخب الرئيس ترمب.
كلام الرئيس الشرع السابق شكل رسالة واضحة مضمونها أن أراضي الجولان ليست ملكاً شخصياً له حتى يتنازل عنها أو يساوم عليها، ويقول بوضوح إن الجولان تعود إلى شعبها، وليس من حق أي رئيس أن يمنحها أو يتنازل عنها.
وهنا عندما يقول الرئيس الشرع، إنه لا يملك صلاحية التنازل عن أراضي الجولان، فإنه بذلك يسحب من الاحتلال وكل من اعترف بسيادته على تلك الأراضي مسوغات الضغط عليه، لأنه يقول لهم: الأمر لا يتعلق بالرئيس السوري بل بالشعب السوري الذي يطالب بتحرير أرضه والعودة اليها.
وقع خطاب الرئيس الشرع الذي جاء بلغة الدولة والقانون والسيادة والسلام، على قادة ومسؤولي كيان الاحتلال، لم يكن عادياً، بل كان بمنزلة “ريح” أتت على كل مخططاتهم ومشاريعهم، ومن هنا كانت ردودهم الانفعالية الغاضبة، على أكثر من مستوى، بدءاً من وزير حرب الاحتلال وصولاً إلى رئيس وزراء الكيان، الذي ظهر في عزلة دولية متزايدة دلت عليها بوضوح مغادرة وفود 77 دولة، قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أثناء خطابه، في رسالة سياسية بالغة من العالم بأنه لم يعد يتحمل مشاهد قتل المدنيين والدمار في غزة والمعاناة الإنسانية التي خلفتها الحرب الآثمة، والعربدة الإسرائيلية في سوريا.
اللافت للانتباه في تطورات قضية الجولان السوري المحتل ليست فقط ما تحدث به الرئيس الشرع خلال أعمال الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إنما ما سبقه من تطورات ذات صلة، خصوصاً منها تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا والعراق توم باراك في آب الماضي التي أكد فيها أن “الجولان أرض سورية تحتلها إسرائيل”، في موقف يناقض اعتراف ترامب في آذار 2019 بالسيادة الإسرائيلية عليها خلال ولايته الأولى، متراجعاً بذلك عن سياسة أميركية استمرت عقوداً.
وعلى الرغم من تراجع باراك عن تصريحاته السابقة بشأن الجولان، إلا أن مراقبين ربطوا بين تلك التصريحات والتطورات الأخيرة المتعلقة بشأن قضية الجولان المحتل والوضوح الذي بدا في كلام الرئيس الشرع خلال أعمال الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
ويوضح هؤلاء المراقبون، أن باراك ليس شخصاً عادياً، فهو مبعوث رئاسي لأقوى دولة في العالم، وكلامه محسوب، وعندما يطلق مثل تلك التصريحات يعي حتما ما يقول. ومن بين الاحتمالات التي دفعت باراك إلى إطلاق تلك التصريحات حسب المراقبين ربما تراجع الرئيس ترامب عن موقفه السابق ولكن من خلال مبعوثه الخاص، خصوصاً في ظل تنامي وتطور العلاقات بين دمشق وواشنطن إلى مستويات غير مسبوقة وعلى كل الصعد.
أسرة التحرير









