يمكن أن يترك إطلاق التجمعات العمرانية والسياحية آثاراً مهمة في سوق العقارات السوري، إلا أن هذه الآثار لن تكون واحدة في جميع المناطق.
خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة، في حديث لـ”الوطن”، أوضح أن الأرض الهامشية أو ضعيفة الطلب قد ترتفع قيمتها عندما تصبح مجاورة لمشروع كبير، نتيجة تحسن الموقع وإمكانية الوصول وتوقعات الاستثمار المستقبلية، لافتاً إلى أن هذه الزيادة قد تبدأ بمجرد الإعلان عن المشروع، أي قبل تنفيذه، نتيجة التوقعات المتفائلة.
أما بالنسبة إلى المساكن، فإذا كانت التجمعات الجديدة موجهة بصورة أساسية إلى السكن الفاخر أو السياحي أو الاستثماري، فإنها ستضيف وحدات جديدة إلى المخزون العقاري، لكنها لن تعالج بالضرورة فجوة السكن لدى الشرائح ذات الدخل المتوسط والمحدود، وبالتالي قد نشهد زيادة في عدد الوحدات المعروضة، وحتى زيادة كبيرة فيها، من دون انخفاض ملموس في أسعار السكن الاجتماعي والشعبي.
في المقابل، يرى وردة أن التجمعات التي تتضمن مزيجاً متوازناً من أنماط السكن، وبكثافات وأسعار مختلفة، وترتبط بشبكات نقل عام جيدة ومصادر تمويل عقاري ميسرة الشروط وطويلة الأجل، يمكن أن تسهم فعلاً في زيادة المعروض القابل للسكن وتخفيف الضغط عن المناطق القائمة.
الإيجارات قد ترتفع خلال مراحل التطوير
وبالنسبة إلى الإيجارات، يوضح وردة أن التجمعات الجديدة قد تخلق في محيطها طلباً إضافياً على السكن نتيجة العمالة والأنشطة التجارية والخدمية الجديدة، ما قد يؤدي إلى رفع الإيجارات محلياً، وخصوصاً خلال مراحل التطوير على الأقل.
ويؤكد أن زيادة عدد المشاريع لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار، إذ يتوقف الأمر على نوع المنتج العقاري وحجمه وموقعه وسعره وطرائق الدفع وتوافر التمويل وسرعة دخول الوحدات إلى السوق، إضافة إلى البنية التحتية والنقل.
ويرى أن الأثر الإيجابي لهذه المشاريع لا يتحقق بمجرد التعاقد على بناء تجمعات جديدة، وإنما عندما تتحول إلى أداة لتوسيع رقعة الأراضي المنظمة والمخدّمة، وخلق مراكز عمرانية جديدة تخفف الضغط عن مراكز المدن القائمة.
ارتفاع أسعار الأراضي وزيادة المعروض قد يحدثان معاً
وبالتالي، بحسب وردة، يمكن أن يحدث الأمران معاً من دون تناقض، إذ قد ترتفع أسعار الأراضي والعقارات المحيطة بالمشاريع الجديدة نتيجة تحسن الموقع والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه يزداد المعروض السكني على مستوى المدينة أو المنطقة.
أما انعكاس زيادة المعروض على أسعار المساكن والإيجارات، فيبقى مرتبطاً بمدى توافق ما يتم بناؤه مع الطلب الحقيقي والقدرة الشرائية للسكان.
الخدمات شرط النجاح
ويضع وردة مسألة الخدمات في مقدمة العوامل المؤثرة في نجاح التجمعات العمرانية الجديدة، ولا سيما الواقعة خارج مراكز المدن، مؤكداً أن نجاحها لا يعتمد على بناء المساكن وحدها، وإنما على ربطها بمنظومة متكاملة من الخدمات التي تفتقر إليها الأرياف بشكل عام، حالياً على الأقل، وفي مقدمتها الطرق ووسائل النقل العام وفرص العمل والتعليم والصحة والبنى التحتية.
ويشير إلى أنه إذا بقيت الخدمات وفرص العمل متركزة في مراكز المدن، فإن المساكن الجديدة لن تنجح في تحقيق الراحة المستدامة لقاطنيها، كما أن عدم تحسين الخدمات في الأرياف، بما في ذلك وسائل المواصلات العامة، سيحد من قدرة هذه المشاريع على أداء مهمتها كما يجب.
المشاريع العقارية قد تسحب سيولة الأسر
أما النقطة الثانية التي يراها وردة أساسية، فتتعلق بطرح عدد كبير من المشاريع العقارية خلال فترات زمنية متقاربة، إذ قد يؤدي ذلك إلى سحب جزء مهم من مدخرات وسيولة الأسر باتجاه الاكتتابات والأقساط العقارية، ما قد يضعف قدرتها على الإنفاق بشكل عام، ناهيك عن قدرتها على الاستمرار في إتمام دفع الأقساط العقارية نفسها.
ويشير إلى أن المشاريع المطروحة قد تبدأ بسحب السيولة من جيوب كثير من المواطنين، ما يؤدي إلى تجفيف هذه السيولة وتخفيف الطلب الداخلي عليها بسبب ضعف الدخل والقدرة الشرائية لدى كثير من المواطنين، في مقابل اقتصار جزء من الطلب على أولئك الذين يعملون في الخارج أو أصحاب الدخول والمدخرات المرتفعة.
ومع الأخذ بالاعتبار ارتفاع أسعار الوحدات مقارنة بدخل المواطن السوري، يرى وردة أن ذلك قد يضع سقفاً للطلب المحلي الحقيقي، بحيث يصبح جزء متزايد من الطلب معتمداً على السوريين العاملين في الخارج أو أصحاب الدخول والمدخرات المرتفعة، وهو ما يطرح ضرورة التمييز بين الرغبة في شراء العقار والقدرة على تحقيق هذه الرغبة على أرض الواقع، مع ما قد يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على السوق.









