تعكس إحصائية نشاط وزارة الخارجية والمغتربين خلال تموز الماضي صورة أكثر وضوحاً لاتجاه السياسة الخارجية السورية في المرحلة الراهنة، إذ لم تقتصر على تكثيف الاتصالات والزيارات، بل توزّعت على دوائر عربية وإقليمية ودولية، بما يشير إلى محاولة دمشق بناء شبكة علاقات متوازنة تستند إلى المصالح المشتركة، وتدعم موقعها السياسي والاقتصادي في محيطها الإقليمي والدولي.
وتظهر خريطة الزيارات الخارجية الخمس، التي شملت لبنان والسعودية وقطر والكويت وتركيا، تركيزاً واضحاً على الجوار العربي والإقليمي، حيث يبرز الخليج العربي في هذه الحركة بثلاث زيارات إلى السعودية وقطر والكويت، بما يعكس أهمية العلاقات الخليجية في السياسة السورية الجديدة، سواء على المستوى السياسي أم الاقتصادي، ولا سيما مع حاجة سوريا إلى استثمارات وشراكات تساند مسار التعافي وإعادة البناء.
في المقابل، يحتفظ لبنان وتركيا بأهمية مختلفة ترتبط بطبيعة الملفات المشتركة، من الحدود والأمن إلى التجارة وحركة السكان، ولذلك تبدو العلاقة مع البلدين أقرب إلى ملفات استراتيجية متصلة مباشرة بالاستقرار السوري والإقليمي، وليست مجرد علاقات ثنائية تقليدية.

وعلى المستوى الدولي، تكشف اللقاءات الرئاسية والأممية عن اتساع دائرة التواصل مع مراكز القرار المؤثرة، فقد شملت الاتصالات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
ويعطي هذا التنوّع مؤشراً إلى سعي دمشق للحفاظ على قنوات مفتوحة مع أطراف مختلفة، وعدم حصر سياستها الخارجية ضمن محور إقليمي أو دولي واحد.
وتكتسب اللجنتان العليا السورية-اللبنانية والسورية-الألمانية أهمية خاصة في هذا السياق، لأن تشكيل الأطر المشتركة يمثّل انتقالاً تدريجياً من إدارة العلاقات من خلال الزيارات والاتصالات إلى تنظيمها عبر آليات مؤسسية قادرة على متابعة الملفات بصورة مستمرة.
وتزداد هذه الأهمية عندما يتعلق الأمر بعلاقات تحتاج إلى معالجة ملفات متشابكة تتجاوز الجانب السياسي إلى الاقتصاد والأمن والنقل والطاقة وغيرها.
كما أن عقد وزير الخارجية 26 لقاءً مع شخصيات عربية ودولية رفيعة المستوى، إلى جانب إصدار 17 بياناً وإجراء اتصالين هاتفيين، يعكس اتساع نطاق العمل الدبلوماسي اليومي وتعدّد مستوياته.
وتعكس دلالة هذه الأرقام على حجم النشاط الدبلوماسي السوري المتصاعد إقليمياً ودولياً، وقدرته على تحويل الانفتاح السياسي إلى تفاهمات واتفاقات ومصالح عملية.
وبذلك، تبدو حركة الخارجية والمغتربين خلال تموز الماضي، أقرب إلى مرحلة تثبيت لخريطة العلاقات السورية الجديدة وسط انفتاح عربي واهتمام واضح بالخليج، فضلاً عن تنظيم لعلاقات الجوار والقوى الدولية، وحضور متزايد في المسار الأممي.
الوطن – أسرة التحرير








