المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الصناعة الغذائية السورية تنتج.. لكن أين السوق؟

‫شارك على:‬
20

قدرة إنتاجية كبيرة تصطدم بضعف الطلب المحلي وارتفاع كلفة الإنتاج، بينما يبقى التصدير رهناً بالعثور على الزبون والوكلاء والأسواق المستقرة، هذا باختصار حال الصناعات الغذائية وفق ما أكده أيمن زبادي رئيس سابق للقطاع الغذائي، موضحاً أن المشكلة ليست في الصناعة الغذائية اليوم في قدرتها على الإنتاج بقدر ما هي في قدرتها على تصريفه. فمصانع تمتلك طاقات إنتاجية كبيرة تعمل بجزء من قدرتها، بينما يدفع ضعف القوة الشرائية محلياً الصناعيين إلى البحث عن أسواق خارجية لاستيعاب ما تنتجه خطوطهم.

ويقول الصناعي زبادي لـ «الوطن » إن سوريا تمتلك إنتاجاً كبيراً ومنتجات ذات جودة جيدة، لكن السوق المحلية لا توفر طلباً كافياً، الأمر الذي انعكس على ساعات تشغيل المصانع. ويوضح أن بعض المعامل التي كانت تعمل ثماني ساعات يومياً باتت تعمل نحو أربع ساعات، بينما تراجعت ساعات تشغيل معامل أخرى كانت تعمل لفترات أطول.

هذه المعادلة تجعل التصدير بالنسبة إلى جزء من الصناعة الغذائية ليس خياراً للتوسع فقط، وإنما ضرورة للحفاظ على دورة الإنتاج. فالمصنع الذي لا يجد سوقاً محلية قادرة على استيعاب إنتاجه يحتاج إلى الخارج كي يحافظ على تشغيل خطوطه، ويغطي تكاليفه، ويستفيد من طاقته الإنتاجية.

المشكلة تبدأ عند العثور على الزبون

لكن امتلاك منتج قابل للتصدير لا يعني امتلاك قدرة تصديرية مستمرة. فبحسب الصناعي، الشركات التي تنجح في التصدير غالباً تلك التي تمتلك زبوناً أو وكيلاً في الأسواق الخارجية، بينما تواجه بقية المصانع صعوبة في الوصول إلى المستوردين.

وهنا تتحول المعارض الخارجية إلى أكثر من منصة لعرض المنتجات. فهي، وفق رأيه، إحدى أهم الأدوات التي يمكن من خلالها تعريف المستوردين بالمنتج السوري وفتح قنوات توزيع جديدة، خصوصاً أن العديد من المصانع لا تملك شبكة وكلاء خارجية.

ويشير إلى أن شركات سورية كبيرة تمتلك حضوراً ووكلاء في الخارج استطاعت الاستفادة من مشاركاتها في المعارض الدولية، بينما تجد مصانع أخرى نفسها أمام كلفة مرتفعة للمشاركة من دون ضمان الوصول إلى عقود أو زبائن.

الجودة وحدها لا تكفي

الانفتاح على أسواق جديدة، ولا سيما في السعودية والعراق واليمن، يوفر فرصة للصناعة الغذائية السورية، لكنه لا يلغي معادلة المنافسة.
فالمنتج السوري، وفق الصناعي، يتمتع بجودة جيدة، إلا أن المنافسة في الأسواق الخارجية تفرض تحسين الجودة باستمرار، إلى جانب تقديم سعر قادر على منافسة المنتجات التركية والعربية الموجودة بقوة على رفوف المتاجر.

وهنا تظهر مشكلة أكثر تعقيداً تتعلق بكلفة الإنتاج. فارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات يرفع تكلفة المنتج السوري، ويضعف قدرته على المنافسة السعرية أمام منتجات تأتي من دول تتمتع بتكاليف طاقة أقل، وهو ما يجعل تحسين الجودة وحده غير كافٍ لزيادة الصادرات.

من تصدير الفائض إلى صناعة تصديرية

ويرى زبادي التحدي أمام الصناعة الغذائية السورية إذاً لا يتعلق بزيادة الإنتاج فقط، وإنما بتحويل هذا الإنتاج إلى تدفقات تصديرية منتظمة. وهذا يتطلب، إلى جانب المعارض، بناء شبكة وكلاء وموزعين، وتسهيل وصول المصانع إلى المشترين، وتحسين التعبئة والمواصفات، وخفض كلفة الطاقة والنقل.

كما أن دعم المشاركة في المعارض الخارجية يمكن أن يكون أكثر فاعلية إذا ارتبط ببرامج تستهدف أسواقاً محددة ومستوردين محددين، بحيث لا تنتهي المشاركة بانتهاء المعرض، بل تتحول إلى عقود وتوزيع مستمر.

ومع تحسن فرص الانفتاح التجاري، تبدو أمام الصناعة السورية فرصة حقيقية لاستعادة حضورها الخارجي. لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب الانتقال من منطق «لدينا إنتاج ونبحث عمن يشتريه» إلى صناعة تعرف مسبقاً لمن تنتج، وبأي مواصفات، وبأي تكلفة، وكيف تضمن استمرار التوريد.

فالطريق إلى صناعة غذائية تصديرية لا يبدأ من المصنع وينتهي عند بوابة الشحن؛ بل يبدأ من السوق، ثم يعود إلى المصنع.