لم تعد الحرب الروسية- الأوكرانية تُخاض على خطوط الجبهات العسكرية وحدها، بل امتدت إلى شرايين الاقتصاد ومصادر الطاقة، مع تصاعد غير مسبوق للهجمات المتبادلة على المصافي النفطية ومحطات توليد الكهرباء ومنشآت التخزين والنقل.
ففي وقت تواصل فيه موسكو تقدمها في بعض المحاور الميدانية، جاء الهجوم الأوكراني الأخير الذي استهدف مصفاة نفط في موسكو، وما سبقه من ضربات طالت مستودعات وقود ومنشآت نفطية وخطوط إمداد داخل الأراضي الروسية، ما يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة عنوانها استنزاف القدرات الاقتصادية واللوجستية للطرفين، وسط عودة الدعوات الدولية لإحياء مسار التسوية السياسية وإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.
ومنذ عام 2024، أخذت المواجهة منحى مختلفاً مع انتقالها تدريجياً من التركيز على الأهداف العسكرية التقليدية إلى استهداف البنية التحتية للطاقة، حيث سعت موسكو إلى إضعاف قدرة أوكرانيا على الصمود عبر ضرب منظومة الكهرباء والتدفئة والخدمات الأساسية، بينما اتجهت كييف إلى استهداف قطاع النفط الروسي الذي يشكل أحد أهم مصادر تمويل الاقتصاد الروسي.

وتشير المعطيات الدولية إلى أن الهجمات الروسية دمرت نحو 9 غيغاواط من قدرات توليد الكهرباء الأوكرانية خلال أشهر قليلة من عام 2024، وهو ما يعادل قرابة نصف احتياجات البلاد الشتوية من الطاقة، فيما خرجت 73 بالمئة من وحدات التوليد الحراري عن الخدمة، الأمر الذي تسبب بانقطاعات واسعة للكهرباء أثرت على ملايين السكان والخدمات الأساسية.
في المقابل، نجحت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة في إحداث أضرار متزايدة بقطاع الطاقة الروسي، حيث استهدفت عشرات المصافي ومستودعات الوقود ومرافق التخزين والنقل، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن بعض الضربات عطلت مؤقتاً ما يصل إلى 14 بالمئة من طاقة التكرير النفطية الروسية، بما يعادل نحو 900 ألف برميل يومياً، فضلاً عن التأثيرات التي طالت موانئ ومنشآت تصدير النفط.
ولا تقتصر أهمية هذه الهجمات على الأضرار المباشرة التي تلحق بالمنشآت المستهدفة، بل تمتد إلى آثار اقتصادية أوسع، فكل ضربة لمصفاة أو مستودع وقود روسي تعني ضغوطاً إضافية على سلاسل الإمداد وأسواق الوقود، فيما تؤدي الضربات الروسية على قطاع الكهرباء الأوكراني إلى زيادة الأعباء المعيشية والاقتصادية على الدولة والمجتمع معاً.
وتزامناً مع هذا التصعيد، عادت التحركات السياسية إلى الواجهة، فقد دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجدداً إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق بين موسكو وكييف، بينما أكدت تركيا استعدادها للعب دور الوسيط بين الطرفين، في وقت واصلت فيه الدول الغربية فرض عقوبات جديدة تستهدف قطاع الطاقة الروسي وعائداته المالية.
غير أن المؤشرات الميدانية والسياسية لا توحي بقرب التوصل إلى تسوية شاملة، إذ يبدو أن الطرفين ما زالا يراهنان على تحسين موقعيهما التفاوضيين عبر مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي، لذلك لم تعد منشآت الطاقة مجرد أهداف جانبية في الحرب، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الصراع وأداة مباشرة للتأثير في القدرات الاقتصادية واللوجستية للطرف المقابل.
ومع استمرار الضربات المتبادلة واتساع نطاقها، تبدو الحرب الروسية- الأوكرانية أكثر اقتراباً من نموذج “حرب الاستنزاف الشاملة”، حيث لم تعد المعركة تدور حول السيطرة على المدن والبلدات فحسب، بل باتت تشمل السيطرة على مصادر الطاقة وشبكات الإمداد ومفاصل الاقتصاد، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية والمادية، وتتعاظم الحاجة إلى تسوية سياسية توقف نزاعاً يواصل إعادة تشكيل موازين القوى في أوروبا والعالم.
الوطن – أسرة التحرير








