يفتح قرار العراق السماح باستيراد البطاطا والبندورة والبصل نافذة جديدة أمام الصادرات الزراعية السورية، في وقت يواجه فيه المزارعون السوريون صعوبات في تسويق إنتاجهم وتراجع أسعار بعض المحاصيل. وبين القرب الجغرافي والسمعة التي يتمتع بها المنتج السوري لدى المستهلك العراقي، تبرز فرصة لتوسيع الصادرات، لكنها تبقى مرتبطة بشروط الاستيراد وحركة المعابر وقدرة المصدّرين على تأمين إمدادات منتظمة بأسعار تنافسية.
وأعلنت العراق، اليوم ، فتح الاستيراد أمام محاصيل البطاطا والبندورة والبصل، استجابة لارتفاع أسعار المواد الغذائية، بهدف دعم الأمن الغذائي والحد من استغلال ظروف السوق. ويتيح القرار فرصة أمام المنتجين السوريين للوصول إلى سوق استهلاكية كبيرة، ولا سيما أن البلدين يرتبطان بعلاقات تجارية ممتدة، فيما يمنح القرب الجغرافي المنتجات الطازجة ميزة تتصل بسرعة النقل والحفاظ على جودتها.
سوق كبيرة وفرصة لتصريف الإنتاج
لا تقتصر أهمية السوق العراقية على قدرتها على استيعاب كميات إضافية من المنتجات الزراعية، بل تمتد إلى إمكانية توفير منفذ تسويقي للمزارعين السوريين، خصوصاً عندما يتجاوز الإنتاج حجم الطلب المحلي أو تتراجع الأسعار إلى مستويات لا تغطي تكاليف الزراعة.
وتشير بيانات التجارة الدولية لعام 2024 إلى أن العراق استورد فواكه طازجة ضمن أحد التصنيفات التجارية بقيمة تجاوزت 115 مليون دولار، بلغت حصة سوريا منها نحو 23.9 مليون دولار، بما يعكس وجوداً فعلياً للمنتجات السورية في السوق العراقية، وإمكانية البناء عليه لتوسيع حركة التبادل التجاري.
لكن الاستفادة من فتح الاستيراد لا تتحقق بمجرد صدور القرار العراقي، إذ تتطلب متابعة الأصناف المسموح باستيرادها وفترات السماح، والتأكد من استيفاء الشروط الصحية والإجرائية، إلى جانب معالجة أي صعوبات تتعلق بالنقل والتخليص الحدودي وتكاليف الشحن.
كما أن المنافسة السعرية تبقى عاملاً أساسياً في تحديد قدرة المنتج السوري على دخول السوق، في ظل وجود موردين آخرين، ما يجعل انتظام التوريد وجودة المحاصيل وسرعة وصولها عناصر مهمة لاستدامة الصادرات.
كوري: لا عقبات كبيرة أمام المنتج السوري
يرى الخبير الاقتصادي والزراعي محمد كوري أن فرص دخول المنتجات الزراعية السورية إلى السوق العراقية تبدو واعدة، مستنداً إلى العلاقات التجارية التاريخية بين البلدين، وما اكتسبه المنتج السوري من حضور لدى المستهلك العراقي.
ويقول كوري: إن المنتجات السورية تتمتع بميزة القرب الجغرافي، التي تسمح بوصولها إلى السوق العراقية خلال ساعات، وتمنحها أفضلية من حيث سرعة النقل وتكاليفه، مشيراً إلى أن العراق يمثل سوقاً استهلاكية كبيرة يمكن أن تستوعب كميات إضافية من الإنتاج السوري.
ويضيف: إن فترات إغلاق الحدود أو تقييد حركة التبادل التجاري أثرت في انسيابية الصادرات السورية، كما أسهمت آليات تبادل البضائع في الساحات الحدودية وبعض حالات الاحتكار في إيجاد صعوبات أمام وصول المنتجات إلى السوق العراقية.
كما أعرب كوري عن تفاؤله بإمكانية تجاوز هذه التحديات، مع توافر التسهيلات الحكومية اللازمة والانفتاح العراقي على استيراد المحاصيل الزراعية، معتبراً أن ذلك قد يمنح المزارعين السوريين فرصة مهمة لتسويق إنتاجهم.
ويلفت إلى أن المزارعين واجهوا خلال العام الجاري ضغوطاً نتيجة تدني أسعار بعض المنتجات، ولا سيما الزيتون، الأمر الذي انعكس على أوضاعهم وعلى القطاع الزراعي عموماً. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التصدير إلى العراق منفذاً إضافياً لتصريف الإنتاج وتخفيف الضغط على الأسواق المحلية.
ويؤكد كوري أن توسيع الصادرات الزراعية يحتاج إلى تسهيل الإجراءات التجارية وضمان انسيابية حركة البضائع، بما يسمح للمنتجات السورية بالوصول إلى المستهلك العراقي بصورة منتظمة، والاستفادة من الفرص التي يتيحها فتح السوق.
من القرار إلى التصدير الفعلي
يبقى التحدي الأساسي أمام المصدرين السوريين هو تحويل فرصة فتح السوق العراقية إلى عقود تصدير فعلية ومستدامة. ويتطلب ذلك متابعة قائمة المحاصيل المسموح باستيرادها وفترات السماح الخاصة بكل صنف، إلى جانب تنسيق الإجراءات بين الجهات المعنية في البلدين، وتسهيل مرور الشاحنات وتخليص البضائع.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء اعتماد العراق رزنامة زراعية لحماية إنتاجه المحلي؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة العراقية في تموز الماضي أن الرزنامة تتضمن منع استيراد 33 مادة من المحاصيل الزراعية المتوافرة محلياً. وهذا يعني أن فتح الاستيراد قد يرتبط باحتياجات السوق وتوقيت الإنتاج المحلي، ولا يشكل بالضرورة سماحاً دائماً باستيراد جميع الأصناف.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب تحركاً متوازياً على مستويين: تسهيل التصدير ومعالجة العقبات اللوجستية، وتنظيم العرض الزراعي بما يتناسب مع الطلب الخارجي. كما أن توفير معلومات واضحة للمزارعين والمصدّرين حول المحاصيل المطلوبة والأسعار وشروط الدخول يساعد في الحد من المخاطر المرتبطة بتسويق الإنتاج.
وبين حاجة السوق العراقية إلى استيراد بعض المحاصيل وفرص المنتج السوري في المنافسة، تتوقف النتائج الاقتصادية للقرار على قدرة المصدرين على الاستجابة السريعة، وتوفير منتجات مطابقة للمواصفات، وضمان وصولها بكلفة تنافسية. فكلما تحولت التسهيلات إلى حركة تصدير منتظمة، ازدادت إمكانية استفادة المزارعين السوريين من السوق العراقية وتخفيف الضغوط على تسويق إنتاجهم محلياً.









