بين صفوف الحروف ومطالع السطور، تكمن طاقة جبارة قادرة على تشييد حضارة أو هدم مجتمع، فالكلمة أمانة ثقيلة ومسؤولية أخلاقية ووطنية كبرى تحدد ملامح الوعي الإنساني، وتؤثر بشكل مباشر في استقرار البلد وتماسكه.
من هذا المنطلق، تتجسد الأهمية البالغة لحملة “الكلمة تبني”، التي تجمع الأكاديمية السورية للإعلام، ووزارة الإعلام، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبر المحافظات السوريّة، كخطوة استراتيجية ضرورية تسعى إلى حراسة الكلمة من عبث العابثين، وتطهير الفضاء الرقمي والإعلامي من سموم خطاب الكراهية، والتحريض، والأكاذيب المضللة.
شريك حقيقي
إن كانت الكلمة تبني الإنسان والفكر، فإن الدراما هي المنصة الكبرى التي تمنح هذه الكلمة صوتاً وصورة وحياة، وحين تتكامل قوة الدراما السحرية مع وعي الكلمة الهادفة، يتحول الفن من مجرد وسيلة ترفيه إلى شريك حقيقي في نهضة المجتمع وبنائه.
فالدراما بكل أشكالها، مرآة يرى المجتمع فيها نفسه، و”الكلمة” هي عمودها الفقري؛ فإما أن تكون أداة بناء ونشر للقيم الإيجابية، أو معاول هدم وتكريس للصور النمطية السلبية، فالكلمة الهادفة والمدروسة في النص الدرامي تزرع قدوة حسنة وتطرح حلولاً للمشكلات، بينما الكلمات السطحية أو المسيئة تسهم في تطبيع السلوكيات الهدّامة.
الواقعية المطلقة
لكي تصبح الدراما أداة بناء حقيقية تتماشى مع أهداف حملة “الكلمة تبني”، على الكتّاب والمخرجين والممثلين إدراك المسؤولية الأخلاقية المترتبة على كل كلمة تُنطق أمام الكاميرا، واعتبار الفن رسالة تنموية لا غاية تجارية بحتة فقط، من خلال التركيز على لغة الأمل والحلول، والابتعاد عن الدراما التي تكتفي بجلد الذات وتصوير المشكلات من دون طرح آفاق أو كلمات تدفع نحو التغيير الإيجابي والعمل.
وإن كانت الدراما تملك القدرة على التأثير، فمن الضروري إعادة توجيهها حيث تقدّم محتوى يوازن بين الواقعية والقيم الأخلاقية، من خلال مراعاة اللغة المستخدمة في الحوارات الدرامية، والابتعاد عن الألفاظ السوقية التي تسيء إلى الذوق العام، وخاصة أن بعض الأعمال الدرامية لم تعد تلتزم بالحد الأدنى من الاحترام في الحوار، بل انتشرت فيها الألفاظ النابية والمصطلحات السوقية.
إن الاستسهال الذي تورطت فيه بعض الأعمال تحت عنوان “الواقعية المطلقة”، لا يمثل نقداً حقيقياً، بل هو تراجع فني وتطبيع مجاني مع الانحدار اللفظي الذي يجرح الذوق العام، فاحترام عقل المشاهد لا يعني تزييف الواقع، بل يعني الارتقاء بلغة الحوار لتكون أداة بناء وتأثير راقٍ.
بين “الهيبة” و”ما اختلفنا”
الانتقال من مرحلة العرض إلى التأثير يتطلب أن تكون الدراما محمّلة برسائل واعية، فعندما تقدّم نماذج إيجابية لشخصيات تناضل من أجل العدالة أو المساواة، تصبح مصدر إلهام للمشاهدين، ولكن!
مسلسل “الهيبة” أثار جدلاً واسعاً بسبب مبالغته في تصوير العنف وتغييب سلطة القانون في البيئة الريفية، محوّلاً السلاح والعدالة الخاصة إلى بطولة درامية جاذبة، وهو ما دفع العديد من النشطاء إلى رفع الصوت رفضاً لهذا التنميط الخطير.
وعبر مواسمه الثلاثة، قدّم مسلسل “ما اختلفنا” وجبات كوميدية متفرقة، غير أن بعض لوحاته سقطت في فخ السخرية السطحية، تلك التي تفتقر إلى الإنصاف وتستفز المشاعر بمعزل عن أي عمق موضوعي، هذا النهج أسهم في بناء جدار من الجفاء والرفض لدى الجمهور، محوّلاً الفن إلى مجرد ضوضاء مجانية تزيد من تشظي النسيج المجتمعي، وتزج بالشاشة في أتون استقطاب عقيم لا يُبنى عليه وطن ولا يرتقي به إنسان.
ختاماً
الحوارات والمشاهد التي تعرضها الشاشات مرآة تصنع أفكار المجتمع وتحدد صورته عن نفسه، من هنا تصبح المسؤولية عن الكلمة الدرامية مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق صنّاع الفن وحدهم، بل تشمل كل من يؤثر في المجال العام لبناء وعي حقيقي ومسؤول.









