سلّط معرض “المدى المجدي”، الذي اختتم مؤخراً في صالة “آرت هاوس” بدمشق، الضوء على ظاهرة الرصاص الطائش، محوّلاً الألم والفقد إلى لوحات ومنحوتات تدعو للوعي والمساءلة، وقد ضم المعرض منحوتات مصنوعة من الأسلاك وبرادة الحديد، مع مرايا تعكس وجه الزائر ليجد نفسه في مرمى الخطر، حيث اجتمعت أكثر من 20 لوحة و11 قطعة نحتية، إلى جانب صور ضوئية.
ورافق المعرض “عرض أداء” قدمته الممثلتان نيكول عبيد وفرح الدبيات، وغناء مجد دبوس، موسيقا شفيق ياغي، وإنتاج شركة “أمير الشهباء” لمحمد عيسى، سلّط الضوء على مخاطر إطلاق الرصاص العشوائي في المناسبات وآثاره الإنسانية والمجتمعية، وقدّم معالجات فنية استحضرت الخوف والفقد، وفتح نقاشاً حول مسؤولية المجتمع عن حماية حياة أفراده.
ونوه هذا العرض إلى ضرورة اعتماد المسرح البديل، الذي يعد أحد أهم التيارات الإبداعية والفنية التي نشأت كتمرد وثورة على قوالب المسرح التقليدي السطحي أو التجاري، إلى كسر حاجز المألوف وإيجاد لغة تعبيرية جديدة ومباشرة تخاطب وجدان وعقل المتفرج من دون التقيد بالبنيات الدرامية الكلاسيكية.
هذا النوع من المسارح لا يعتمد بالضرورة على نص مسرحي مكتوب وجاهز ويلجأ إلى فضاءات بديلة عن خشبة المسرح، ويسقط فيها الجدار الرابع بين الممثل والجمهور، ليصبح المتفرج جزءاً من العرض أو شريكاً في صناعة الحدث، بينما يعتمد غالباً على الإنتاج الذاتي أو التمويل المستقل والمحدود، ما يمنحه حرية مطلقة في التعبير بعيداً عن ضغوط شباك التذاكر.
وتعود جذور التمرد المسرحي إلى أوائل القرن العشرين مع ظهور المسرح الملحمي عند “برتولت بريخت”، ومسرح “القسوة” عند “أرتو”، وصولاً إلى ستينيات القرن الماضي حيث انتشرت “المسرحيات الحية” التي طالبت بتغيير وظيفة المسرح ليصبح أداة تغيير اجتماعي وثقافي.
من أبرز رواد ومدارس “المسرح البديل” المسرحي البولندي “غيروتوفسكي” الذي ركّز على الممثل وحده كركيزة أساسية للمسرح متجرداً من الديكورات والإضاءة المعقدة، إضافة إلى البريطاني بيتر بروك، رائد البحث عن الفضاءات الفارغة وإعادة صياغة التراث العالمي بلغة مسرحية معاصرة وعابرة للثقافات.
ختاماً، فإن تجربة “المدى المجدي” تثبت مجدداً أن الفن الأصيل، ولا سيما “المسرح البديل”، قادر على تجاوز قوالب الترفيه السطحي ليصبح أداة حقيقية للتغيير والاشتباك مع قضايا المجتمع الحية.

وائل العدس
الوطن -
مواضيع:
المزيد





