المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المهن الحرفية في مواجهة الذكاء الاصطناعي.. حين تستعيد اليد البشرية قيمتها

‫شارك على:‬
20
مصعب أيوب
الوطن -

في وقت تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتتوسع قدرتها على أداء مهام كانت حتى وقت قريب حكراً على الإنسان، تعود مهن بدت طويلاً أقل حضوراً في سوق العمل إلى الواجهة، مدفوعة بندرة العاملين فيها وارتفاع الحاجة إلى خبراتهم، وبينما تتعرض بعض الوظائف لإعادة تشكيل متسارعة، تبدو الحرف اليدوية والمهن القائمة على المهارة والخبرة أكثر قدرة على الحفاظ على حضورها، بل وربما اكتساب قيمة إضافية مع مرور الوقت.
وخلال الأعوام الأخيرة، تصاعد الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وما يمكن أن يتركه من تغييرات واسعة في طبيعة المهن والوظائف، وهنا تبرز مهن يصعب اختزالها في خوارزمية أو تحويلها إلى عملية آلية بالكامل، وفي مقدمتها الأعمال الحرفية التي تتطلب حضور الإنسان وخبرته وقدرته على التعامل مع المواد والخامات والتفاصيل الدقيقة.
وأوضح الحرفي في مجال الموزاييك الدمشقي فؤاد عربش أن العمل اليدوي يعتمد إلى جانب الموهبة على الخبرة والممارسة المتواصلة، مشيراً إلى أن الحرفي يكتسب مع مرور الوقت تقنيات جديدة ويصبح أكثر دقة في التعامل مع التفاصيل وتنفيذها.
وأكد لـ”الوطن” أن العمل الحرفي لم يحظَ دائماً بالتقدير الذي يستحقه، إذ لم يكن كثيرون يدركون حجم الجهد الكامن خلف كل قطعة، إلا أن الوعي بقيمة الحرفي بدأ يتزايد، حيث أصبح الجمهور أكثر اهتماماً بطريقة صناعة القطعة والوقت الذي تحتاج إليه، كما أسهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في إبراز هذه التفاصيل وتسليط الضوء على أصحابها.
وأشار عربش إلى أن العمل الحرفي يحتاج إلى وقت طويل وتركيز وصبر، خصوصاً عند تنفيذ التصاميم التي تتطلب مستويات عالية من الدقة، ويرى أن الصبر والدقة وحب التفاصيل من أبرز الصفات التي يحتاج إليها العامل في مجال المهن اليدوية، إلى جانب الشغف والاستعداد الدائم للتعلم والتطور.
ولا يرى عربش أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى المهن الحرفية والتراثية يعني بالضرورة اختفاء الدور البشري، متوقعاً أن يؤدي دوراً مساعداً، خصوصاً في البحث وتطوير الأفكار، لكن تنفيذ العمل الحرفي سيظل مرتبطاً باليد والخبرة والإحساس بالخامة، وهي عناصر تمنح كل قطعة خصوصيتها، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج صور وتصاميم خلال ثوانٍ، لكنه لا يختبر الخامة بالطريقة التي يفعلها الإنسان، ولا يستطيع التعامل معها وإضافة البعد الحسي الذي يميز العمل اليدوي.
بدوره أكد الحرفي في مجال الزجاج المعشق فايز تلمساني أن المسيرة المهنية الطويلة تعد من أهم عناصر بناء الخبرة، إلى جانب الإبداع والغريزة، مشدداً على أن الموهبة وحدها لا تكفي، ويستعيد تجربته، موضحاً أنه نشأ في بيئة مرتبطة بهذه الحرفة، بحكم امتلاك والده مشغلاً خاصاً لذلك، حيث أمضى سنوات في التدريب والتعلم وتطوير مهاراته.
ورغم التحسن الذي طرأ على نظرة الجمهور إلى العمل الحرفي، يرى تلمساني أن تقديره مر بمراحل متفاوتة، إذ ظل الاهتمام لفترة طويلة منصباً على القطعة المنجزة في صورتها النهائية، من دون الالتفات إلى مئات الساعات التي يمكن أن يقضيها الحرفيون في إنجازها.
ويدرك تلمساني أهمية المهنة التي اختارها، بعد أن أمضى أكثر من أربعين عاماً في ممارستها، وهي مهنة لا تخلو من المشقة، إذ تتطلب ساعات طويلة من العمل والجلوس داخل محل صغير، إلا أنه تمكن من الاستمرار فيها ومواجهة تحدياتها، ليصبح اليوم واحداً من القلائل الذين ما زالوا يمارسون هذه المهنة في باب شرقي بدمشق.
وركز تلمساني على أن مهنة الزجاج المعشق لا يمكن بشكل من الأشكال أن تستعاض بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما أن كل قطعة تحتاج إلى دراسة وتدقيق وعمل لوقت طويل وتركيز ومجهود كبيرين، وهو ما لا يستطيع الاذكاء الاصطناعي عليه، أما اليوم، ولاسيما بعد أن بتنا نلاحظ اهتماماً متزايداً بمعرفة كيفية صناعة القطعة والأشخاص الذين يقفون خلفها، فإن هذا الاهتمام ضروري للحفاظ على التقنيات الحرفية ونقلها إلى الأجيال المقبلة بأدق التفاصيل.
ولا تقتصر المهن التي يصعب استبدالها بالتقنيات الحديثة على الموزاييك والزجاج المعشق، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من المهن اليدوية والحرة التي تراجعت أعداد العاملين فيها، وسط نظرة اجتماعية لم تمنحها دائماً المكانة التي تستحقها.