أوضح المحلل السياسي مصطفى النعيمي أن زيارة وفد مجلس الأمن الدولي إلى الجمهورية العربية السورية اليوم تفتح نافذة جديدة كان ينتظرها السوريون منذ سنوات طويلة، مبيناً أن هذه الزيارة، التي تُجرى بعد أربعة عشر عاماً اتسمت بتداخل المصالح الدولية، تشكل محطة سياسية واختباراً لمصداقية المجلس وقدرته على استعادة الحد الأدنى من الثقة التي فقدها لدى شريحة واسعة من السوريين نتيجة عجزه عن التدخل الفاعل لوقف جرائم النظام البائد والانتهاكات التي لحقت بهم خلال سنوات الحرب.
وأشار النعيمي في تصريح لـ”الوطن”، إلى أن اطلاع الوفد الأممي ميدانياً على حقيقة الأوضاع، ولقاء المسؤولين السوريين في مؤسسات الدولة، والتفاعل مع ممثلي المجتمع المدني، تشكل تحولاً مهماً في آلية تعامل المؤسسات الدولية مع الملف السوري، لافتاً إلى أن مجلس الأمن الدولي الذي اعتمد طويلاً على تقارير متباينة المصادر وتقع تحت تأثير الاصطفافات السياسية الدولية، يجد اليوم نفسه أمام فرصة نادرة لرؤية الواقع السوري كما هو، وليس كما يُعرض عليه عبر قنوات الوساطة المتعددة.
وبيّن المحلل السياسي أن هذا القرب المباشر من الميدان يوفر صورة أكثر توازناً وعملية حول الخطوات التي اتخذتها الدولة السورية في مجال تعزيز السلم الأهلي ومعالجة آثار الحرب، وإعادة الإعمار في بيئة شديدة التعقيد اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ما يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الواقعية والانخراط المباشر والمسؤول، وأردف: رغم أن هذه الزيارة لن تمحو أربعة عشر عاماً من الخيبات إلا أن السوريين ما زالوا ينتظرون أن يكون مجلس الأمن جزءاً من الحل، وليس مجرد شاهد على المأساة.

واستعرض النعيمي أهمية هذه الزيارة التي تتجلى بثلاثة مستويات رئيسة، لكل منها تأثير محتمل في مسار العمل الأممي وسير الملف السوري، مبيناً أن المستوى الأول يتمثل في إعادة بناء الثقة بين مجلس الأمن والشعب السوري، فالسوريون الذين رأوا في المجلس طوال سنوات الثورة مؤسسة دولية عاجزة أو مكبلة بالفيتو والتجاذبات، يحتاجون اليوم إلى بادرة تثبت أن المجلس قادر على تجاوز الجمود السياسي والانخراط بجدية في ملف يعاني من إرهاق دولي وإقليمي.
وأضاف: إن المستوى الثاني، يتعلق بانخراط مجلس الأمن بشكل مباشر مع مؤسسات الدولة السورية، وهو ما يتيح له بناء تصور واقعي بعيد عن الضغوط والقراءات المسبقة، وتقييم السياسات المُتبعة في التعامل مع تحديات الأمن والخدمات وإعادة دمج المجتمعات المحلية، فهذا الانخراط يرسخ مبدأ الشراكة مع الدولة السورية باعتبارها الطرف الأساسي في تثبيت الاستقرار الوطني.
أما المستوى الثالث، فيتمثل في مواءمة فهم المجلس للواقع الميداني، وهي خطوة ضرورية لأي توجه دولي جديد نحو دعم إعادة الإعمار وتهيئة بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، فالمعطيات التي سيحصل عليها الوفد من جولات ميدانية في المناطق المتضررة، والاستماع إلى شهادات السكان المحليين، ومناقشة خطط إعادة الإعمار مع الجهات الحكومية، يمكن أن تسهم في بناء مقاربة دولية أكثر واقعية وتوازناً، بعيداً عن السرديات التي غذت الانقسام الدولي حول سوريا.
وأكد النعيمي أن زيارة مجلس الأمن تشكل أيضاً محاولة لإعادة فتح مسار العمل الأممي في ظل تغيرات إقليمية ودولية تدفع الأطراف المختلفة إلى مراجعة مواقفها وتعديل مقارباتها، مشيراً إلى أن اللحظة الحالية مناسبة ليعيد المجلس النظر في دوره، وأن يتحول من منصة للصراع السياسي بين القوى الكبرى إلى مؤسسة فاعلة في معالجة آثار حرب طويلة عانى منها الشعب السوري أكثر من أي طرف آخر.
الوطن








