تتزامن خطوات سوريا لتثبيت مؤسسات الدولة وتنظيم عملها الداخلي مع انتقال علاقاتها الخارجية إلى مرحلة جديدة من الشراكات السياسية والاقتصادية، في مشهد عكسته اليوم زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية “كايا كالاس” إلى دمشق، وما رافقها من بحث في مستقبل الشراكة السورية الأوروبية ومأسسة الحوار بين الجانبين.
وتدخل عملية بناء الدولة السورية مرحلة جديدة مع بدء المحكمة الدستورية العليا أعمالها واستئناف مجلس الشعب نشاطه التشريعي، لتنتقل الأولوية تدريجياً إلى تنظيم عمل المؤسسات وتحديد اختصاصاتها وضبط العلاقة بينها ضمن إطار دستوري وقانوني.
ولا ينفصل هذا التطور عن الحراك السياسي والدبلوماسي السوري المتسارع، فكلما اتسعت شبكة العلاقات الخارجية وبرزت ملفات الاستثمار والتعافي وإعادة الإعمار، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات مستقرة وقواعد واضحة تستطيع تحويل التفاهمات السياسية إلى سياسات وقرارات قابلة للتنفيذ.
وتكشف خريطة المؤسسات التي يجري تثبيتها عن محاولة لإعادة صياغة علاقة المواطن بالدولة وطريقة إدارتها.
وتكتسب هذه العملية دلالة سياسية، لأن إعادة بناء المؤسسات لا تتعلق بالأبنية الإدارية أو توزيع المناصب بقدر ما تتعلق بإنتاج قواعد مستقرة لممارسة القرار العام.
فوجود جهة تشرّع وأخرى تراقب دستورياً وثالثة تنفذ ورابعة تتولى الرقابة والمساءلة، يضع القرار داخل منظومة مؤسسية بدلاً من ارتباطه بمسار واحد.
ويستند هذا البناء إلى الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، الذي جعل إعادة بناء المؤسسات العامة وتعزيز سيادة القانون والحكم الرشيد من مهام المرحلة الانتقالية.
وفي تموز 2026 بدأ مجلس الشعب جلساته، بالتزامن مع تشكيل المحكمة الدستورية العليا، لتتسع بذلك البنية التشريعية والرقابية للدولة.
ولا تقتصر إعادة تنظيم الدولة على مؤسسات الحاضر، بل تشمل أيضاً معالجة إرث النظام البائد، فقد أُنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في أيار 2025، لتصبح ملفات المفقودين والانتهاكات والحقوق المرتبطة بها ضمن أطر مؤسساتية متخصصة، فيما يتجه مسار العدالة الانتقالية إلى وضع إطار تشريعي ينظم آليات المحاسبة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
وتظهر أهمية هذا المسار أيضاً في إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والمكونات والمناطق السورية، فقد ارتبطت اتفاقات الدمج والتسويات السياسية بالتأكيد على وحدة الدولة وحقوق المواطنين والمواطنة المتساوية، بما يجعل توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية جزءاً من إعادة بناء الدولة.
وخارجياً، ينعكس تثبيت المؤسسات على صورة سوريا وشبكة علاقاتها الجديدة، فاللقاءات التي أجراها الرئيس الشرع والوفد السوري في نيويورك مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب وآسيويين ترافقت مع بحث الاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار والتعافي، وهي ملفات تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات وحماية المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة “كالاس” إلى دمشق اليوم كإشارة إضافية إلى انتقال العلاقة السورية الأوروبية نحو إطار أكثر انتظاماً، إذ بحث الجانبان إعداد اتفاق شراكة جديد يخلف اتفاقية عام 1977، ومأسسة الحوار عبر لجان تقنية، إلى جانب رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي السوري لدى الاتحاد الأوروبي.
كما اكتسب تأكيد الرئيس الشرع في المجلس الأطلسي بنيويورك في 22 أيلول الجاري العمل خلال السنوات الخمس المقبلة على تكريس احترام القانون دلالة تتجاوز الإطار الداخلي، إذ ربط استقرار الدولة بأداء المؤسسات وفق الدستور والقانون وعدم اختزال القرار العام في شخص واحد.
وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن الاختبار الأساسي للمرحلة المقبلة سيكون في قدرة المؤسسات على العمل بصورة منتظمة ومتوازنة، وإنتاج قرارات قابلة للتطبيق، وحماية الحقوق، وتوفير قواعد يمكن للدولة والمواطن والمستثمر والشريك الخارجي الاستناد إليها.
وهنا تتقاطع عملية بناء الدولة داخلياً مع استعادة سوريا موقعها خارجياً، لأن قوة الحضور الدبلوماسي تحتاج إلى قاعدة مؤسسية مستقرة تسنده.
أسرة التحرير









