في ظل الدمار الذي طال البنى التحتية التقليدية في سوريا، يجدر سؤال مصيري: هل يمكن للبلاد أن تقفز مباشرة نحو اقتصاد رقمي حديث بدلاً من إعادة إعمار أنموذجها الاقتصادي التقليدي؟ وهل في هذا التحول فرصة تاريخية تتجاوز تحديات الواقع، وما شروطه.
الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه قال: في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها سوريا بعد سنوات من الصراع، يبرز التساؤل حول كيفية إعادة بناء الاقتصاد السوري، مضيفاً: هل يجب أن تبدأ سوريا بإعادة بناء اقتصادها التقليدي القائم على الصناعة والزراعة، أم يمكنها القفز مباشرة إلى اقتصاد رقمي حديث؟ ويرى أن هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل التغيرات العالمية المتسارعة نحو الرقمنة، حيث أصبحت التكنولوجيا الرقمية محركًا رئيساً للنمو الاقتصادي.
وحول مدى واقعية هذا التحول، المتطلبات المؤسسية والتشريعية اللازمة، وإمكانية الاقتصاد الرقمي في تعويض فقدان رأس المال قال: يمكن القول إن الأدبيات الاقتصادية تشير إلى أن الدول الخارجة من صراعات غالباً ما تواجه صعوبات في بناء اقتصاد رقمي بسبب ضعف البنية التحتية، ونقص الكفاءات البشرية، وغياب المؤسسات القوية. ومع ذلك، هناك أمثلة لدول مثل إستونيا ورواندا التي استطاعت تحقيق قفزات نوعية في الاقتصاد الرقمي بعد أزمات، لكن هذه الدول استفادت من استقرار سياسي نسبي، واستثمارات خارجية، ودعم دولي.
وأضاف: في حالة سوريا: غياب قاعدة صناعية تقليدية قد يكون عائقاً، لكنه قد يشكل فرصة أيضاً لتجنب التكاليف الباهظة لإعادة بناء البنية التحتية التقليدية والتركيز على بناء اقتصاد رقمي من الصفر، ويتطلب هذا التحول رؤية استراتيجية طويلة الأمد واستثمارات ضخمة في التعليم، والتكنولوجيا، والبنية التحتية الرقمية.
وعن ما المتطلبات المؤسسية والتشريعية التي يجب بناؤها أولاً لتمكين اقتصاد رقمي، قال: لتمكين اقتصاد رقمي، هناك متطلبات أساسية يجب تحقيقها، منها:
- الإطار التشريعي والقانوني: يجب وضع قوانين تنظم التجارة الإلكترونية، وحماية البيانات، والملكية الفكرية، والجرائم السيبرانية.
وهذه القوانين تضمن بيئة آمنة وموثوقة للمستثمرين والمستهلكين.
- البنية التحتية الرقمية: تشمل شبكات الإنترنت عالية السرعة، ومراكز البيانات، وأنظمة الدفع الإلكتروني.
سوريا اليوم تعاني من ضعف كبير في هذه البنية، ما يجعل التحول الرقمي تحدياً كبيراً.
- الحوكمة الرقمية: تحتاج سوريا إلى مؤسسات حكومية قادرة على إدارة التحول الرقمي، بما في ذلك تطوير سياسات رقمية فعالة وتعزيز الشفافية.
- التعليم والتدريب: بناء اقتصاد رقمي يتطلب قوى عاملة ماهرة في مجالات التكنولوجيا والبرمجة.
مضيفاً: في الحالة السورية، يبدو أن الحد الأدنى من هذه المتطلبات غير متوفر حالياً. لذلك، يجب أن يبدأ التحول الرقمي ببناء الإطار القانوني والمؤسسي أولاً، ثم الاستثمار في البنية التحتية والتدريب.
وعن أمكانية تعويض الاقتصاد الرقمي فقدان رأس المال المادي؟ قال: الاقتصاد الرقمي يمتلك إمكانات كبيرة لتعويض فقدان رأس المال المادي، لكنه ليس بديلاً كاملاً من الاقتصاد التقليدي. مضيفاً: يمكن للاقتصاد الرقمي أن: يخلق وظائف جديدة خاصة في مجالات البرمجة، وتطوير التطبيقات، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية.
ويجذب استثمارات خارجية: الشركات العالمية تبحث عن أسواق جديدة، وإذا تمكنت سوريا من توفير بيئة رقمية جاذبة، فقد تستقطب استثمارات، ويولد قيمة مضافة من خلال الابتكار وتقديم خدمات ومنتجات رقمية. والاقتصاد الرقمي لا يمكن أن يحل محل الإعمار التقليدي بالكامل. البنية التحتية المادية (مثل الطرق، الكهرباء، والمصانع) تبقى ضرورية لدعم الاقتصاد الرقمي نفسه. لذلك، يجب أن يكون هناك توازن بين الاستثمار في الاقتصاد الرقمي وإعادة بناء الاقتصاد التقليدي.
وختم محمد بالقول كرأي أكاديمي اقتصادي: يمثل التحول إلى اقتصاد رقمي في سوريا فرصة واعدة، لكنه يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، واستثمارات كبيرة، وإصلاحات مؤسسية وتشريعية. وفي ظل غياب قاعدة صناعية تقليدية، يمكن للاقتصاد الرقمي أن يكون خياراً أقل تكلفة وأسرع، لكنه ليس بديلاً كاملاً من إعادة بناء البنية التحتية المادية. ولتحقيق هذا التحول، يجب على سوريا التركيز على بناء الإطار القانوني، وتطوير البنية التحتية الرقمية، والاستثمار في التعليم والتدريب.
وبصراحة إن الاقتصاد الرقمي يمكن أن يكون محركاً للنمو الاقتصادي، لكنه يحتاج إلى بيئة داعمة ومستقرة لتحقيق إمكاناته الكاملة.






