تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تبادل ضربات عنيفة أمس، وسط غموض يكتنف موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن كيفية التعامل مع طهران في قادمات الأيام، فبعد إعلانه مؤخراً حرباً اقتصادية “حاسمة”، عاد أمس إلى التلويح بضربات عسكرية قوية، قبل أن يتجه الحديث مجدداً نحو خيار “الضربات المحدودة والدورية”.
بالتزامن تتسع دائرة الخلافات داخل الإدارة الأميركية نفسها، مع إعلان وزير الجيش دان دريسكول استقالته وسط توتر مع وزير الدفاع بيت هيغسيث على خلفية تغييرات واسعة في القيادة العسكرية، شملت إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج في نيسان الماضي، وإقالة العقيد ديفيد بتلر، مستشار دريسكول، في شباط الماضي.
ورأت مصادر مواكبة أن واشنطن تحاول الإمساك بخيط دقيق بين “الردع والتورط”، فوفق مسؤولين أميركيين تحدثوا إلى “أكسيوس”، تدرس الإدارة توجيه ضربات “محدودة ومتكررة” تستهدف مواقع إيرانية قرب مضيق “هرمز”، لاسيما الرادارات والمنظومات الصاروخية المضادة للسفن، لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها العسكرية في الممر الحيوي، والخطة أعدتها القيادة الوسطى الأميركية “سنتكوم”، وحظيت بدعم هيغسيث، لكنها لم تكن قد حصلت على موافقة ترامب قبل تجدد المواجهة.
وتأتي هذه التطورات بعد استهداف أميركي لمنصات صواريخ إيرانية في جزيرة لارك، وردّ طهران بإطلاق صواريخ باتجاه قواعد أميركية في الأردن، وبموازاة الضغط العسكري، رفعت إدارة ترامب مستوى الضغط الاقتصادي عبر عقوبات ثانوية جديدة تستهدف الشبكات المالية المرتبطة بإيران، في محاولة لإجبارها على تقديم تنازلات من دون فتح جبهة حرب شاملة.
لكن المشكلة التي تواجه ترامب، وفق المصادر، لا تكمن في طبيعة الرد وحدها، بل في غياب نهاية واضحة للحرب، فالصراع الذي بدأ في الـ 28 من شباط الماضي، وما زال مستمراً، تحوّل وفق التقديرات إلى مواجهة استنزاف مكلفة، بينما تراجعت شعبية الحرب داخل الولايات المتحدة وازدادت الضغوط الاقتصادية المرتبطة بأسعار الوقود واضطراب الملاحة في “هرمز”.
وفي الداخل، يعكس خروج دريسكول جانباً آخر من الأزمة، فقد أعلن وزير الجيش استقالته بعد توترات مع هيغسيث، في خطوة تأتي ضمن تغييرات متلاحقة في بنية القيادة الدفاعية، ويحمل الأمر أهمية إذا ما جرت مقارنته باستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كِنت في آذار الماضي، بعدما أعلن أنه لا يستطيع “بضمير مرتاح” دعم الحرب، معتبراً أن إيران لم تكن تمثل “تهديداً وشيكاً” للولايات المتحدة.
كما تعرضت مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة تولسي غابارد لضغوط داخل الإدارة بسبب مواقفها الأقل حدة، كما وُصفت، تجاه الملف الإيراني، وإن كانت مغادرتها الرسمية نُسبت إلى ظروف عائلية، لا إلى خلاف مباشر حول الحرب. وهكذا، لا تبدو معركة ترامب مع إيران عسكرية فقط، فكلما طال أمدها، تحولت إلى اختبار لقدرة الرئيس على ضبط إيقاع التصعيد في الخارج وتماسك إدارته في الداخل.
أسرة التحرير









