في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة في سورية، يكتسب ترشيد الإنفاق العام أهمية متزايدة، باعتباره أحد الأدوات الضرورية لضبط الموارد العامة وتوجيهها نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً، ولاسيما القطاعات الخدمية والتنموية، فالمطلوب لا يقتصر على خفض النفقات، وإنما على إعادة ترتيبها ورفع كفاءة استخدامها، بما يحد من الإنفاق غير الضروري ويحافظ في الوقت نفسه على الإنفاق المرتبط بالخدمات الأساسية ودعم النشاط الاقتصادي، وصولاً إلى تحقيق توازن أفضل بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتزايدة.
في هذا السياق قال الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي إن الآليات المطلوبة لضبط الإنفاق العام وتحقيق الوفر تتمثل بحماية القطاعات الحيوية عبر ضمان مخصصات الصحة، والتعليم والمياه والطاقة والأجور والدعم مع رقابة لمنع الفساد، وضبط النفقات التشغيلية من خلال حظر شراء السيارات والأثاث والهدايا، وتتبع الوقود عبر (GPS)، واعتماد المناقصات المركزية، واستغلال المباني الشاغرة بدل الاستئجار، إضافة الى إعادة ترتيب الأولويات والاعتماد على الأتمتة بشكل رئيس عبر تأجيل المشاريع غير الملحّة، واختصار المعاملات الورقية والمؤتمرات بما يراعي واقع الكهرباء والإنترنت.
وحول مخاطر وسلبيات ضبط الإنفاق على الوضع الداخلي، قال كويفي إنه رغم نبل أهداف القرار، فإن الممارسة العملية تطرح محاذير جديّة قد تنعكس مباشرة على الشارع والسوق المحلي من أبرز هذه المحاذير والمخاطر أن قرار ترشيد الإنفاق قد يساهم في تجفيف سيولة القطاع الخاص الصغير أي تأخير صرف مستحقات الموردين والمزارعين والذي من الممكن أن يضاعف الضغوط على قطاعات إنتاجية هشة ويُهدد بزيادة البطالة، إضافة إلى أنه قد يؤدي إلى تراجع الخدمات تحت ستار “الوفر” بمعنى أنه خشية المخالفة، قد يلجأ مسؤولون لتجميد ميزانيات الصيانة التشغيلية للمشافي والمدارس والشبكات على سبيل المثال فيتحول الترشيد إلى تعطيل مقنّع للخدمة، كما قد ينتج عن القرار تآكل للثقة والجسر الشعبي إذ إن غياب الشفافية حول أين تذهب الأموال الموفرة ما يُعزز شعوراً بأن التقشف يقع ثقله على الطبقات الأدنى فقط، وقد ينتج عن القرار جمود إداري باعتبار أن الخوف من المساءلة قد يولد حالة من الشلل لدى المديرين في اتخاذ القرارات أو تسيير المعاملات اليومية.
وأوضح كويفي أن من أبرز إيجابيات قرار ترشيد الإنفاق مساهمته في تخفيف عجز الموازنة واحتواء التضخم، وترسيخ ثقافة كفاءة الإنفاق وإعادة هيكلة الجهاز الإداري.
وختم حديثه بالقول إن تحقيق شروط النجاح الاستراتيجي للقرار يتطلب توحيد آليات الصرف وفق سياسات وزارة المالية والميزانيات المحددة للمؤسسات ، دون أي صرف آخر من الصناديق الأخرى، وبدء تخفيض الإنفاق من أعلى الهرم الإداري قبل المساس بالشرائح الأدنى باعتبار أن قمة الهرم يجب أن تكون القدوة بتنفيذ القرارات، وممارسة الشفافية من خلال الإعلان الدوري عن المبالغ الموفرة وتوجيهها مباشرة لتحسين الأجور ودعم الإنتاج والخدمات، إضافة إلى التدرج والرقابة الذكية والحوكمة عبر تنفيذ مرحلي للقرار يضمن مرونة العمل الإداري وتجنب الصدمات، مبيناً أن تحقق هذه الشروط يسهم في تحويل القرار إلى إصلاح بنيوي حقيقي.

رامز محفوظ
الوطن -
مواضيع:
المزيد






