بعد أشهر من التحضيرات الفنية والإدارية، تستعد إذاعة دمشق للانطلاق بهويتها الجديدة في الرابع من شباط المقبل، بعد يوم واحد على الذكرى التاسعة والسبعين لانطلاقتها الأولى.
وتدخل الإذاعة مرحلة رقمية، إذ تواصل بثها عبر موجاتها التقليدية، إلى جانب إطلاق موقع إلكتروني متطور مصمم لبث البرامج للجمهور داخل سوريا وخارجها، مع تطبيقات ذكية ومنصات رقمية مخصصة لتسهيل الوصول إلى محتواها.
بالتزامن، سيتم انطلاق دورة برامجية جديدة تمزج بين الإرث الإعلامي الغني للإذاعة والمضامين المعاصرة، في خطوة تهدف إلى مواكبة التطورات الإعلامية العالمية ومرحلة التحول التقني التي تشهدها سوريا. فماذا تعرفوا عن إذاعة دمشق؟

إذاعة كل العرب
“هنا الإذاعة السورية من دمشق.. إذاعة كل العرب”، بهذه العبارة أعلن يحيى الشهابي انطلاق أثير إذاعة دمشق، عند الساعة السابعة من صباح الثالث من شباط عام 1947، في مبنى مستأجر متواضع يفتقر إلى التجهيزات الكاملة في شارع بغداد بدمشق بمعداتهم البسيطة، مدشناً ثاني إذاعة عربية بعد إذاعة “صوت العرب” المصرية، لكنها كانت الأولى في فكرة ابتكار مواجز الأخبار بدقيقة واحدة، وهي من أولى الإذاعات في البث المباشر.
كان الشاعر سليم الزركلي أول مدير لها، وكان الطاقم يضم: المذيع نشأت التغلبي، صباح قباني، عبد الهادي البكّار، سهيل الصغير، خلدون المالح، عادل خياطه، لمياء الشمّاع، سامي جانو، فاطمة البديري، منير الأحمد، وتوفيق الحسن. أما الجيل الثاني فضم: فؤاد شحادة، سميحة مخلص، كمال البني، سكينة نعمه، فردوس حيدر، يوسف حيدر، عواطف الحفّار إسماعيل، مروان شيخو، ميشيل قوشقجي، سعاد نحّاس، امتثال السمّان، نجاة الجم، زهير الأيوبي، عبد الهادي المبارك، أحمد زين العابدين، وعزيزة هارون.
وكانت الإذاعة تبث من دمشق وتغطي كل الأراضي السورية وجزءاً من أراضي الدول المجاورة، وكانت تبث ساعتين متواصلتين فقط يومياً ومن ثم أصبحت ست ساعات يومياً.
استمرت الإذاعة في بث الأخبار وبرامجها بعد ذلك من دون أن يكون لها نظام ثابت في البث سوى المناسبات وكلها وطنية وقومية، وفي عام 1947 بدأت الإذاعة تبث في أوقات محددة وبحدود اثنتي عشرة ساعة تقريباً.
في عام 1950 انتقلت الإذاعة إلى مبنى خاص في شارع النصر واستقدمت لها أجهزة إرسال أقوى وتم إنشاء أربعة استديوهات مع تجهيزاتها، وأنشئت عدة محطات في بعض المحافظات وكان يحيى الشهابي حينذاك مديراً لها، وفي زمن إدارته للإذاعة فتحت أبوابها للمواهب الإذاعية، فكان منهم بهجت العلبي، غالب طيفور، صباح قباني، توفيق حسن، خلدون المالح، فؤاد شحادة، عبد الهادي مبارك، سهيل الصغير، سامي جانو، عصام حماد، فاطمة موسى البديري، وعواطف الحفار، سعدي بصوص.
لكن المذيعة عبلة أيوب الخوري نجحت بأن تكون أول نسائي في الإذاعة، حين انتسبت إلى إذاعة دمشق في بداياتها، وظلت تعمل فيها تسع سنوات، حتى انتقلت إلى إذاعة لبنان في بيروت.
الدراما الإذاعية
قدّمت إذاعة دمشق أعمالاً درامية أسهم في تقديمها عدد من الفنانين الرواد، منهم حكمت محسن إذ جسّد تمثيليات إذاعية عن يوميات دمشقية باللهجة الدمشقية المحلية، عكس السائد وقتها بتقديم الإنتاج باللغة العربية الفصحى، فأصبح رائد الدراما الشعبية السورية. وبرز أنور البابا وفهد كعيكاتي، وتيسير السعدي الذي قدّم مسلسلاً إذاعياً بعنوان “صابر وصبرية” مع زوجته صبا المحمودي، ويحكي فيه يوميات حياتية بسيطة.
كما استمرت الدراما الإذاعية التي تُصوّر المحكيات اليومية في مسلسل “يوميات عائلية” لعصام عبه جي ووفاء موصللي. أما المسلسل الإذاعي الأشهر الذي استمر لعقود فهو “حكم العدالة”.
وكانت هدى شعراوي صاحبة أول صوت نسائي تمثيلي عندما شاركت في بعض التمثيليات في الدراما الإذاعية
استقطاب مواهب الغناء
استقطبت إذاعة دمشق المواهب الغنائية، واهتمت بالتراث الغنائي السوري والعربي وأسهمت بازدهار الأغنية العربية، فأطلقت أسماء عديدة في عالم الغناء العربي منها: فتى دمشق، ماري جبران، نجيب السرّاج، رفيق شكري، فايزة أحمد، وعبد العزيز محمود. ومن الأسماء العربية: نهاوند، وديع الصافي، عبد الحليم حافظ، الذي حمل أغنية “صافيني مرة” وجاء بها لإذاعة دمشق لبثها أول مرة.
أحدثَت الإذاعة “معهد الموسيقا الشرقية”، الذي أخذ على عاتقه صقل الموسيقيين والمطربين والكورال، بأسلوبٍ علمي حديث، فأضحت قبلة الفنانين ونافذة إطلالتهم وشهرتهم. كما أسّست فرقتين كبيرتين للموسيقا الكلاسيكية والغناء الشعبي، واكبتا أعمال حليم الرومي، سعاد محمد، نجاح سلام، معن دندشي، وفيروز التي احتضنتها الإذاعة منذ أغنيتي “غيرة” و”بوفارس عندو جنينة”، وهما من نوادرها التي ما تزال محفوظة في أرشيف الإذاعة.
كما اعتاد المستمعون سنوات طويلة على أنغام بزق محمد عبد الكريم (أمير البزق) الذي كان يبدأ البث بأنغامه.
برامج إذاعية ناجحة
مرّ بإذاعة دمشق كثيرون في تقديم البرامج الإذاعية الناجحة التي حققت شهرة واسعة آنذاك، مثل صلاح دهني في برنامجه “عن السينما”، وسعيد الجزائري في برنامجه “أدب وأدباء”، والشاعر عبد الكريم الكرمي الذي قدّم برنامجاً للأطفال في ستينيات القرن الماضي.
استمرت في سبعينيات القرن الماضي برامج حققت انتشاراً واسعاً بين السوريين، مثل برنامج “مرحبا يا صباح” من تقديم منير الأحمد، وبرنامج “المواطن والقانون” من تقديم نجاة قصاب حسن، وبرنامج “ما يطلبه المستمعون” لفردوس حيدر، وبرنامج “نادي الأطفال” لأمل دكاك. وكذلك برنامج “مسابقات على الهواء” لطالب يعقوب، وبرنامج “دمشق معكم على الهواء” لجمال الجيش.
كما شهدت إذاعة دمشق برامج خالدة لا تنسى، قدّم عبرها ناجي جبر برنامج “عطيني أدنك”، الذي كان يؤدي فيه شخصيات متنوعة بتلوينات صوتية تدل على مقدراته الفنية. أما رفيق سبيعي فقد سرد في برنامجه “حكواتي الفن” سيرة العديد من روّاد الفن السوري في الغناء والتمثيل والمسرح. ومن البرامج الشهيرة “ظواهر مدهشة” الذي يحكي حالات وظواهر كونية غريبة.
صوت فلسطين
تضامناً مع القضية الفلسطينية، فتحت إذاعة دمشق إستوديوهاتها لـ”إذاعة فلسطين من دمشق” لتبث منها، فبدأت بثها في 15 آب 1964، ثم تطورت وصارت باسم “صوت فلسطين”. وإيماناً من إذاعة دمشق بفلسطين وعدالة قضيتها، خصّصت برامج للحديث عن الأراضي المحتلة، كبرنامج “إذاعة فلسطين”.
من دمشق هنا القاهرة
ومن المواقف القومية المشرفة التي وقفتها إذاعة دمشق، نذكر أنه خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، شنت الطائرات البريطانية والفرنسية غارات مكثفة على أهداف مصرية أسفرت فيما أسفرت عن تدمير هوائيات الإرسال الرئيسية للإذاعة المصرية في منطقة صحراء أبي زعبل ما أدى إلى قطع بثها، فما كان من المذيع عبد الهادي بكار إلا وأعلن من إذاعة دمشق: “من دمشق.. هنا القاهرة، هنا مصر من سوريا، لبيك لبيك يا مصر”.
واقع إعلامي متردٍ
عانت إذاعة دمشق في ظل الحكم البائد غياب حرية الكلمة؛ إذ أدى النظام الشمولي إلى تفريغ إذاعة دمشق وسوريا بأكملها من أصالتها ودورها الحضاري. وكانت سياسة تكميم الأفواه تمنع الإعلاميين من التحدث بما يخرج عن الإطار المفروض، بينما وصل الترهل الإداري إلى درجة انعكست سلباً على كفاءة العمل وطبيعة وجودة المحتوى المقدم.
بعد تحرير سوريا، وحين وصلت الحكومة الجديدة إلى إذاعة دمشق، واجهت واقعاً إعلامياً متردياً تجلّى في ثلاثة أوجه: تكميم الأفواه والترهل الإداري والواقع التقني السيئ.
وائل العدس








