في تصعيد جديد، وسّع نطاق المواجهة مع تعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، شنت إيران هجمات على سفن “مرتبطة” بالولايات المتحدة في مضيق “هرمز”، بعد إعلان واشنطن قصفها ثلاث ناقلات نفط على صلة بالحرس الثوري، متّهمة القوات الإيرانية بمحاولة استهداف سفينتين حربيتين أميركيتين.
ويبدو أن هذه الجولة تشي بأن التصعيد بين الجانبين انتقل إلى المجال البحري أيضاً، مع تبادل الضربات العسكرية قرب السواحل الإيرانية واستهداف سفن وناقلات مرتبطة بالصراع، فيما أصبح مضيق هرمز أحد أكثر عناصر الأزمة حساسية، بما يحمله من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
في هذا السياق، تبدو خيارات واشنطن محكومة وفق، ما يرى مراقبون، بمعادلة “صعبة” هي مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات، من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة يصعب تحديد سقفها أو نهايتها،
وتذكر المصادر أن التطورات أظهرت أن القوة الجوية والبحرية الأميركية قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكن تحويل ذلك التفوّق إلى نتيجة سياسية نهائية يبقى أكثر تعقيداً، فالهدوء الذي سبق الجولة الأخيرة لم يتحول إلى اتفاق، كما أن التهديد بالعودة إلى “عمل عسكري قوي” لم يدفع إيران إلى قبول الشروط الأميركية.
على الضفة المقابلة، تبدو إيران أمام خيارات أشد كلفة، فهي تستطيع مواصلة الرد على القواعد والمصالح الأميركية، واستخدام قدرتها على التأثير في أمن الملاحة والطاقة، لكنها تدرك أن توسيع نطاق الهجمات قد يمنح واشنطن مبرراً لتصعيد أكبر، كما أن التراجع من دون مقابل سياسي أو اقتصادي قد يُقرأ داخلياً بوصفه خسارة، وخصوصاً في ظل العقوبات والضغوط المتراكمة.
وأخذاً في الاعتبار تلك التطورات، بات الصراع أقرب إلى أزمة عالقة تتغذى من غياب الثقة، فواشنطن تريد اتفاقاً أوسع من الملف النووي، بينما تصرّ طهران على عدم التفاوض تحت التهديد، وتتمسك بأوراقها العسكرية والاقتصادية، وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي، بل أيضاً بمضيق هرمز والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.
وترى المصادر المتابعة، أن الخطر الحقيقي يكمن في إمكانية تحوّل هذا الجمود إلى حرب استنزاف طويلة تشمل ضربات محدودة تتسع تدريجياً، وردوداً محسوبة تتحول إلى مواجهات أكبر، مع ارتفاع كلفة الطاقة والشحن والذخائر والانتشار العسكري، وقد شهدت أسعار النفط بالفعل ارتفاعاً حاداً مع تجدد القتال، فيما أصبح تعطيل الملاحة في هرمز ورقة ضغط إيرانية ومصدر قلق دولي في آن واحد.
ختاماً، لا تبدو المسألة في مرحلتها الراهنة متعلقة بمن يمتلك قدرة أكبر على توجيه الضربة التالية، بل بمن يستطيع إدارة كلفة الصراع من دون أن يفقد القدرة على التفاوض، وإذا فشلت الوساطات في إعادة بناء قناة سياسية مستقرة، فقد يصبح الانتقال من التصعيد “المحسوب” إلى مواجهة إقليمية واسعة نتيجة لتراكم القرارات أكثر من كونه قراراً منفرداً من أيّ من الطرفين.
أسرة التحرير






