Opens in a new tab
المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تمديد الدوام الحكومي.. إنتاجية أكبر أم أعباء إضافية على الموظفين؟

‫شارك على:‬
20

أثار قرار تمديد ساعات الدوام الرسمي في القطاع العام نقاشاً واسعاً بين العاملين، في ظل التحديات المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للرواتب، وما يطرحه القرار من تساؤلات حول العلاقة بين زيادة ساعات العمل وتحسين الأداء والإنتاجية… وبين أهمية الانضباط الوظيفي في تطوير المؤسسات العامة، وضرورة مراعاة الظروف الاقتصادية للعاملين، تبرز مسألة تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الإداري والحقوق المعيشية للموظفين.

أولى خطوات بناء المؤسسة الإدارية

يرى الخبير المالي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن تحديد الدوام الإداري بثماني ساعات يومياً، وضبط مواعيد الحضور والانصراف، وربط الالتزام الوظيفي بالإنتاجية وتقييم الأداء، يشكل إحدى اللبنات الأساسية في عملية بناء المؤسسات الإدارية الحديثة القادرة على خدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة.

وأوضح أن المؤسسة العامة ليست مجرد مكان يحضر إليه الموظف ويغادره في نهاية الدوام، بل هي منظومة عمل تقوم على المسؤولية والانضباط وتقديم الخدمات بكفاءة ولذلك، فإن قيمة ساعات العمل لا تقاس بعددها فقط، وإنما بما يتحقق خلالها من إنجاز وجودة في الأداء وسرعة في تلبية احتياجات المواطنين.

لكنه أكد ضرورة الاعتراف بأن تطبيق هذا القرار سيواجه بعض الاعتراضات الاجتماعية والمعيشية، وهي اعتراضات لا ينبغي تجاهلها.

تمديد الدوام دون زيادة الأجور.. استنزاف للموظفين

من جهته، يرى أستاذ المصارف والتمويل في جامعة حماة أن القرار يشبه إجراءً إدارياً يهدف إلى توحيد ساعات العمل واستكمال الخدمات العامة، لكنه يفتقر إلى الدعم المالي المقابل، سواء من خلال زيادة الأجور أو التعويضات.

وأوضح أنه في ظل عدم تحسن بيئة الاقتصاد الكلي والانخفاض الكبير في الرواتب، من المرجح أن يؤدي هذا القرار إلى استنزاف الموظفين على المدى القصير، وإضعاف جودة حياتهم، بل قد يؤدي إلى تفاقم تسرب الكفاءات أو انخفاض الكفاءة في العمل.

وأكد أن ما يحتاجه الاقتصاد السوري بشكل أكثر إلحاحاً هو تحسين الرواتب الحقيقية وتحسين بيئة الأعمال، وليس مجرد تمديد ساعات العمل في المكاتب.

أعباء التنقل وضعف الدخول

قوشجي يشير إلى أن هناك شريحة من العاملين تقطن في مناطق بعيدة عن أماكن عملها، ما يجعل ساعات التنقل اليومية عبئاً إضافياً عليها وهذه الظاهرة ليست خاصة بسورية، بل موجودة في مختلف دول العالم، وتعالجها المؤسسات الحديثة بوسائل متعددة، منها تنظيم النقل الجماعي، والمرونة في بعض مواعيد الدوام، وإعادة توزيع العاملين جغرافياً حيثما أمكن.

وأضاف إن هناك مشكلة أصحاب الدخول المنخفضة، الذين قد يشكل الالتزام بثماني ساعات دوام فعلية عبئاً اقتصادياً إضافياً عليهم، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والمعيشة، مؤكداً أنه من غير المنطقي مطالبة الموظف بمزيد من الالتزام والإنتاجية دون معالجة الظروف التي تمكنه من أداء عمله بصورة مستقرة.

بين الانضباط وتحسين البيئة الوظيفية

ومن هنا، يرى قوشجي أن الإصلاح الإداري يجب أن يسير في مسارين متوازيين، يتمثل الأول في ضبط الدوام وتكريس ثقافة الالتزام والمساءلة وتقييم الأداء وفق نتائج واضحة، فيما يتعلق الثاني بتحسين البيئة الوظيفية، ومعالجة تكاليف النقل وضعف الأجور، وتوفير الظروف التي تساعد العامل على أداء واجباته.

وشدد على ضرورة ألا يتحول الالتزام بثماني ساعات إلى مجرد حضور شكلي، بل يجب أن يقترن بتحديد مهام كل موظف، وقياس حجم الإنجاز، وتبسيط الإجراءات، ومحاسبة المقصر ومكافأة المتميز.

وأكد أن بناء الدولة يبدأ من بناء مؤسساتها، وبناء المؤسسات يبدأ من احترام الوقت والمسؤولية، لكنه لا يكتمل إلا بتحقيق التوازن بين حقوق العاملين وواجباتهم فلا يمكن بناء إدارة عامة منتجة بموظفين غير منضبطين، كما لا يمكن مطالبة الموظف بالإنتاجية دون توفير الحد الأدنى من الأجر والظروف المعيشية التي تضمن له حياة كريمة.

ولفت إلى أن الإصلاح الإداري ليس تشديداً على الموظف، بل انتقال من ثقافة الوظيفة بوصفها راتباً شهرياً إلى ثقافة الوظيفة بوصفها مسؤولية وخدمة عامة.