أجاد حزب الله اللبناني، سابقاً في أي مواجهة مع إسرائيل، تنفيذ معادلة التوازن بين منطق “الردع المحسوب” ومنحدر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، لنراه اليوم يفتح “جبهة إسناد” لإيران في حربها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ليبقى السؤال الأهم الذي يمكن أن يخطر على ذهن الجميع، هل ينجح الحزب هذه المرة في اللعب على حافة الهاوية، ويتمكن من ضبط التصعيد ضمن سقف محسوب، في مواجهة تختلف هذه المرة عن باقي المواجهات والصراعات بين ايران وأميركا وإسرائيل، ما يجعل السقف ليس ثابتاً، وخاصة أنه يتأثر بحسابات ميدانية، وضغوط داخلية، وتطورات إقليمية قد تخرج عن السيطرة بسرعة، في بلد لا يمتلك ترف حرب مفتوحة.
الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر يرى في حديث لـ”الوطن” أن إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه فلسطين المحتلة يُعيد وضع لبنان إلى حافة مواجهة واسعة لا يحتملها اقتصادياً ولا سياسياً، حيث إن الخطوة تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لتدخل في سياق صراع إقليمي أكبر يرتبط بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وفي هذا المشهد، يتحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة رسائل متبادلة، ويصبح الداخل اللبناني الحلقة الأضعف في معادلة الردع.
ويوضح السيد عمر أن الرسالة الأولى من إطلاق الصواريخ تتصل بتثبيت موقع الحزب ضمن محور تقوده طهران، إذ إن التوقيت لا يكون منفصلاً عن تطورات أوسع، سواء تعلَّقت بالملف النووي الإيراني أو بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بذلك يصبح القرار العسكري جزءاً من حسابات إقليمية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ويعكس سعياً للحفاظ على توازن ردع يمنع استفراد إيران أو حلفائها بالضغط العسكري.

ويقول السيد عمر: ” لكن انعكاس هذه الخطوات يقع مباشرة على لبنان، الاقتصاد يعيش انهياراً غير مسبوق منذ عام 2019م، والعملة فقدت معظم قيمتها، والقطاع المصرفي شبه معطل، الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان خلفت خسائر قدرت بنحو 8 إلى 10 مليارات دولار بين أضرار مباشرة في البنية التحتية والمنازل والمنشآت الاقتصادية، إضافة إلى تراجع حادّ في السياحة والاستثمار وتحويلات الأعمال، آلاف الوحدات السكنية تضرَّرت، ومؤسسات تجارية أَقْفلت أبوابها، وتراجعت حركة المرافئ والمطار بشكل ملحوظ. كما ارتفعت معدّلات البطالة وتقلّصت قدرة الدولة على الإنفاق؛ ما عمّق الأزمة الاجتماعية. هذه الأرقام تعكس هشاشة الوضع الداخلي أمام أيّ تصعيد جديد.”
في هذا السياق، يؤكد السيد عمر أن هامش الدولة اللبنانية يتراجع، فالقرار العسكري والأمني لا يخضع بشكل كامل لمؤسساتها الرسمية؛ ما يضعف قدرتها على ضبط الإيقاع، والحكومة تَجِد نفسها أمام واقع سياسي وأمني مُعقّد، في ظلّ امتلاك الحزب قوة عسكرية وتنظيمية مستقلة، مشيراً إلى أن هذا الخلل البنيوي يجعل قدرة الدولة على فَرْض قرار موحَّد بشأن الحرب والسِّلم محدودة ومرتبطة بتوازنات داخلية دقيقة؛ حيث يتداخل الشأن الأمني بالسياسي والطائفي بالإقليمي.
وهنا يوضح ويؤكد إنه رغم ذلك، لا يبدو لبنان ساحة مفتوحة بلا ضوابط؛ البيئة الداخلية تغيَّرت خلال السنوات الأخيرة، وشريحة واسعة من اللبنانيين باتت أكثر رفضًا لأيّ مواجهة واسعة، وخاصة بعد الكلفة الاقتصادية الباهظة التي تَكبَّدها البلد، حتى القوى السياسية المتحالفة مع الحزب تُدرك أن انفجارلً شاملاً سيؤدي إلى انهيار ما تبقَّى من مؤسسات الدولة، وهو مسار يَصْعب احتواؤه في ظل غياب شبكة أمان مالية خارجية.
ويشير السيد عمر الى أن العامل الدولي يَفْرض بدوره سقفاً غير مُعلَن للصراع، حيث إن القوى الغربية والعربية تضع استقرار لبنان ضمن أولوياتها، ولو بحدِّه الأدنى، والضغوط السياسية والاقتصادية تُشكِّل أدوات تأثير مستمرة، بينما لا تبدو أيّ جهة مستعدّة لتحمُّل أعباء حرب جديدة في بلد يعاني أزمة مالية عميقة، كما أن أيّ توسُّع للمواجهة مع إسرائيل قد يستدعي تدخّلات أوسع تُغيّر طبيعة الصراع بالكامل.
يقول السيد عمر:” في المحصلة، إطلاق الصواريخ يعكس توازناً دقيقاً بين تثبيت موقع إقليمي وتجنُّب الانفجار الشامل، احتمال انزلاق لبنان إلى حرب يبقى قائماً مع كل تصعيد، لكن كلفته الاقتصادية والاجتماعية الهائلة تُشكِّل عنصر ردع بحدّ ذاته، قدرة الدولة على وضع حدٍّ كامل لهذا المسار ما زالت محدودة، إلا أن تعزيز مؤسساتها واستعادة عافيتها الاقتصادية يَظلَّان المدخل الوحيد لتقليص هامش تحويل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، وحماية ما تبقَّى من استقراره الداخلي”.
الوطن- أسرة التحرير








