“كما سقطتٌ فردة من حذاء سندريلا على الدرج في حفل الأمير.. سقطت فكرة من صديقي المفكّر على مسمع من لا يقبلون بالرأي الآخر.. ومن يومها، يبحثون عنه، لمطابقة أحذيتهم على أفكاره”.. في هذه القصة التي عنونها القاص خضر الماغوط بـ”حفل ديمقراطي” وحملت عنوان مجموعته القصصية، يولّف الكاتب المولود عام 1956، بين حكاية “سندريلا” والواقع بسخرية مريرة، يدلل على تدنّي مكانة العقل والفكر في بيئة لا تحترمهما، إذ تصبح المقارنة بين الحذاء والفكر جائزة جداً وطبيعية، ربما لهذا يركز على فكرة الحذاء والعقل، ليعود مرة أخرى ويكتب تحت عنوان “نبَّاش القمامة”: “لم أكن مهتماً بحاويات القمامة أبداً، لولا أنه خرج من بين نفاياتها واستوقفني.. كان يحمل بيد حذاء عتيقاً بالياً، وباليد الأخرى ناولني كتيباً صغيراً، وهو يسألني: “هل لهذا الشيء قيمة تشبع الخبز يا أستاذ؟ تصفحت الكتيب قليلاً ثم قلت له: “هذا بيان حقوق الإنسان يا صديقي”.. فضم الحذاء إلى صدره، ورمى البيان إلى حيث كان”.
من المؤكد أن نبّاش القمامة يدرك أن لا حقوق للإنسان، وإلا لما كان يبحث في القمامة عمّا يعينه على أدنى مقومات الحياة، كما يدرك كثيرون أن السخافة والسطحية هي المسيطرة على أغلبية جوانب الحياة والمؤسسات بما فيها الإعلامية التي من المفروض أن تعمل على توعية المواطنين وتقديم المتعة والفائدة والمعرفة معاً، لذا نقرأ تحت عنوان “فرسان الفكر”: “حين تخرجت في كلية الإعلام، تم قبولي للعمل كصحفي كاتب مقالات في صحيفة محلية.. منذ اليوم الأول للوظيفة الجديدة نبهني رئيس التحرير بأنه يمنع الكتابة في الشأن السياسي حول الوضع الراهن، ويمنع الكتابة في مسألة انهيار الاقتصاد الوطني، ويمنع الكتابة في مسألة الدين، ويمنع الكتابة حول عدم فعالية الأحزاب الوطنية، ويمنع الكتابة حول المشكلات والأزمات والفوضى الحكومية.. عدت في اليوم التالي ناولته مقالي الأول بعنوان: “كيف تصنع اللبن الرائب”.
في هذه المجموعة القصصية الساخرة الصادرة قبل أعوام، والحائزة جائزة مؤسسة “أفرا للدراسات والأبحاث” المغربية في عام 2023، يلتقط الماغوط الأفكار من كل صوب، حتى تلك التي يبوح فيها الإنسان لنفسه، ولا يترك شاردة أو واردة إلا ويصيّرها طوع أنامله وسخطه وخياله، كما في قصة “حلول استراتيجية”: “قلت له: يا سيدي إن أولادي يشكون من شدة الجوع، إنَّما حين يسمعون الخطابات والشعارات والأناشيد الوطنية، يهتفون ويرقصون ويدبكون، وينسون جوعهم، لولا أن الكلب المشرد في الشارع ينبح دائماً من شدة جوعه، فيتذكر أولادي جوعهم ويبكون.. قال لي السيد: خذ هذا الطعام للكلب فلا ينبح”.
لا يوفّر الماغوط أحداً، وهو إن بدأ بـ”نباش القمامة” وصل إلى “نائم الشّعب”، يقول: “عفواً هو خطأ مطبعي أقصد نائب الشعب، إنه صديقي الذي سنحت له الفرصة ليكون نائباً دورتين متتاليتين، هاج وماج غاضباً عندما قيل عنه إنه لم يفعل شيئاً خلال نوبتيه البرلمانيتين.. قال لي: كيف لم أفعل شيئاً والله…والله وبتشديد الهاء، لقد صفقت ثلاث مرات ونصف المرة، ألا يكفي هذا، أليس هو عمل؟ قلت له: ثلاث مرات تصفيق فهمناها، ولكن نصف تصفيقه كيف لم نفهم ذلك؟ قال: كنت أتكئ على يدي مستغرقاً في النوم، وعندما حدث التصفيق كانت يدي التي أتكئ عليها مخدرة، فرفعت اليد الثانية في الهواء وصرت أحركها كما التصفيق.. حتى لا يقال في التقرير إني لم أصفق”.
وبعيداً عن معارك السياسة والأوضاع الاقتصادية العامة، يخوض الكاتب “المعركة” الخاصة مع ذبابة غليظة وعنيدة وقفت على أرنبة أنفه، فما كان منه إلا أن لف الجريدة حتى صارت كالعصا وبدأ هجومه، قافزاً من مكان إلى آخر، ومدمراً كل شيء خلفه، فنجان القهوة، وكأس الماء، والمزهرية الخزفية، لكن للأسف لم يستطع تنفيذ ضربته القاضية، واستسلم للهدنة، بعدما بدأ التدخل الخارجي من جاره الذي يسكن في الطابق الأسفل، والذي صاح وشتم وطلب وقف “الخبيط”..
تسع وخمسون نصاً ساخراً، تطرق فيها القاص خضر الماغوط لمواضيع متنوعة، وأفلح في نهاياتها، لكنه لم يفلح في إكمال مشواره الرومانسي: “كان ذلك المشوار في مساء ِ يوم ماطر، تأبطتني وتلاصق كتفانا تحت مظلة واحدة.. لم يكن الشيطان ثالثنا، بل كانت الكثير من القضايا والهموم تراودنا.. تحدثنا في السياسة والاقتصاد.. تحدثنا في التاريخ والجغرافيا.. تحدثنا في الفلسفة والعلوم.. وتحدثنا.. وتحدثنا.. طال الحديث والجدل، فتململ الشيطان الذي لم يكن ثالثنا، أفلتت ذراعها من تأبط ذراعي.. تبادلنا الشتائم والاتهامات.. ثم افترقنا.. وبقي الشيطان وحيداً”.
الوطن ـ نجوى صليبه









