المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“حلف مكة ” من النص إلى الميدان.. ردع جماعي يعيد رسم التوازنات

‫شارك على:‬
20

يحمل القرار السعودي-التركي-الباكستاني بالانتقال الفوري إلى التنفيذ العملي لالتزامات “حلف مكة” ، دلالة تتجاوز الاستجابة للهجمات التي تتعرض لها السعودية، إذ ينقل الاتفاق الدفاعي الموقع في 7 آب الماضي من مرحلة التأسيس السياسي إلى الاختبار العسكري الفعلي، مع قرار توفير القوات والقدرات المتفق عليها ونشرها سريعاً داخل المملكة.

وتكمن أهمية الخطوة في اختبار مصداقية مبدأ الدفاع الجماعي، إذ يعزز الاجتماع الطارئ فكرة أن أمن الدول الثلاث كلٌّ لا يتجزأ، ويكتسب الحلف رمزية خاصة لأن التهديد طال مكة المكرمة والمدينة المنورة، ما يمنحه شرعية معنوية واسعة في العالم الإسلامي، كما أن تعيين أمين عام للحلف يدل على أنه يتجه إلى بناء مؤسسة دائمة لا مجرد تفاهم ظرفي.

وفي سياق موازٍ، تتكامل أوراق القوة بين الأطراف الثلاثة، فتركيا تملك ثاني أكبر جيش في الناتو وخبرة متقدمة في الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والصناعات الدفاعية، فيما تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وخبرة طويلة في العمليات البرية والدفاع الجوي، فضلاً عن كونها دولة نووية، والسعودية توفر الجغرافيا والموارد والبنية العسكرية، كما يشمل الاتفاق تبادل المعلومات الاستخباراتية والمناورات المشتركة والتدريب والتعاون في تكنولوجيا الدفاع، وبذلك يجمع الحلف القدرة التقليدية والغطاء الاستراتيجي والتمويل والصناعات الدفاعية.

إقليمياً، يعيد “حلف مكة” توزيع بعض أوزان الأمن في الخليج العربي والبحر الأحمر، فالسعودية لا تراهن على مظلة واحدة لأمنها، وتركيا توسع حضورها الأمني في الخليج، بينما تعمق باكستان شراكتها الدفاعية مع الرياض، وهذا الحلف ليس موجهاً ضد دولة بعينها وفق تصريح وزراء خارجية دول الحلف، لكن وجود آلية دفاع جماعي قابلة للتفعيل يرفع كلفة أي هجوم واسع على إحدى الدول الثلاث.

كما تعكس الخطوة تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الخارجية، وهي أول إطار أمن جماعي يضم دولاً عربية وغير عربية منذ حلف بغداد عام 1955، ومع ذلك تحرص العواصم الثلاث على التأكيد أن الحلف دفاعي، ولا يهدف إلى التخلص من التحالفات القائمة، وهو ما يفسر ترحيب الرئيس الأمريكي به.

وفي المقابل، يحمل الحلف رسالة إلى الولايات المتحدة وشركائها الغربيين مفادها أن دولاً إقليمية رئيسية بدأت ببناء قدراتها الأمنية بصورة أكثر استقلالاً، وقد ذهب تحليل لمجلس العلاقات الخارجية إلى أن الاتفاق يعكس تحولاً في طريقة تشكيل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، فيما رأى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن الاتفاق يطرح أسئلة أساسية حول مدى الثقة بالالتزامات الدولية في المنطقة.

وبذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لـ”حلف مكة” ستتحدد خلال المرحلة المقبلة بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: ردع الهجمات وتطوير التكامل العسكري ومنع تحول الردع إلى مسار تصعيد مفتوح، ونجاحه سيحدد شكل التوازنات للسنوات المقبلة.

أسرة التحرير