رأى الخبير الاقتصادي المهندس محمد سعيد نحاس أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الغنى ثمرة الامتياز بدل الكفاءة، إذ «لا ينبغي لرجل الأعمال الناجح أن يحتاج إلى قربه من مسؤول كي ينجح، ولا ينبغي للدولة أن تختار بنفسها من تريد له النجاح».
وأكد نحاس، في حديث لـ “الوطن”، أن إعمار سورية الحقيقي يبدأ «حين نعيد بناء الطريقة التي تُصنع بها الثروة»، واعتبر أن السؤال عن «رجل الأعمال السوري الجديد» يخفي وراءه سؤالًا أكبر: «ما الدولة السورية الجديدة التي ستصنعه؟».
وأشار نحاس إلى أن رجل الأعمال الحقيقي «يحتاج إلى قانون مستقر، وقضاء يحمي العقد، ومؤسسات تعمل، وبيئة منافسة عادلة، وتمويل، وبنية تحتية، وقدرة على الوصول إلى السوق»، مضيفًا: «وإذا احتاج إلى النفوذ للحصول على ما ينبغي أن يحصل عليه بالقانون، بدأ الخلل».
وأعرب عن اعتقاده أنه لا بد من تحرير وصف «رجال الأعمال السوريين»، لأن هذا السؤال «واحد من أهم أسئلة سورية بعد التحرير، لأن شكل طبقة رجال الأعمال التي ستنشأ خلال السنوات المقبلة سيكشف، إلى حد بعيد، شكل الدولة التي نبنيها». وتساءل: «فمن نقصد برجل الأعمال؟ صاحب المال؟ صاحب المصنع؟ التاجر الكبير؟ المستثمر؟ عضو غرفة التجارة أو الصناعة؟ من تظهر صورته إلى جانب المسؤولين أم إن المصطلح يجب أن يحمل معنى اقتصاديًا أعمق من كل ذلك؟».
وعن دور الدولة في تشكيل بيئة الاستثمار، قال نحاس: «سورية اليوم لا تقرر فقط من سيستثمر فيها. إنها تقرر، ربما من دون أن تنتبه، أي طبقة اقتصادية ستقودها خلال العشرين سنة المقبلة». وأضاف: «الدولة التي تريد جذب المستثمر الجاد تحتاج إلى الشفافية بالقدر نفسه الذي تحتاج فيه إلى السرعة والمرونة. وغموض العقود لا يحمي الدولة ولا المستثمر؛ وإنما يفتح المساحة للنفوذ والشبهة وعدم تكافؤ الفرص».
وتطرق إلى حلب، مبينًا أن المال وحده لا يصنع رجل أعمال، وقال: «في حلب نعرف، بحكم تاريخ المدينة، الفرق بين من ورث مالًا ومن ورث صنعة، وبين من اشترى عقارات ومن بنى مصانع، وبين من تضخمت ثروته لأنه فهم السوق فنجح، ومن تضخمت لأن بابًا فُتح له وأُغلق في وجه غيره». ولفت إلى أن سورية عرفت بعد الاستقلال نشاطًا تجاريًا وصناعيًا خاصًا متقدمًا قياسًا إلى عمر الدولة وظروف المنطقة، وأن الخمسينيات «ليست أسطورة؛ فقد حملت تلك المرحلة تفاوتًا في الثروة والنفوذ، وكانت العلاقة بين كبار الصناعيين والسياسة موجودة أيضًا. لكن الفارق المهم أن جزءًا معتبرًا من تكوين الثروة كان يدور حول الصناعة والتجارة والزراعة والخبرة الأسرية والتراكم والاستثمار».
وأضاف: «المصنع كان مدرسة اقتصادية تتوارث فيها الأسرة السوق والعلاقات الفنية والسمعة والعمال المهرة وأسرار الصناعة. يأتي الابن فيوسع ما بدأه الأب، ويدخل الجيل التالي آلة جديدة أو سوقًا جديدة، وبعد عدة أجيال تنشأ مؤسسة راسخة».
وأردف: «ثم جاء التأميم منذ مطلع الستينيات، وتوسع بعد وصول البعث إلى السلطة، فتغيرت بنية الملكية والعلاقة بين الدولة ورأس المال بصورة جذرية. ولم تكن المسألة انتقال مصانع وشركات من أصحابها إلى الدولة فحسب؛ فقد انقطعت في حالات كثيرة سلاسل تراكم امتدت عبر أجيال، وغادر جزء من أصحاب رأس المال والخبرة، وتراجعت الثقة طويلة الأمد بين المستثمر والدولة». وأشار إلى أنه، في بلد صناعي وتجاري مثل سورية، «كانت الخسارة في المعرفة والإدارة والشبكات والمهارات المتراكمة لا تقل عن الخسارة في الأصول نفسها».
ولفت إلى أن القطاع الخاص السوري لم يختفِ بعد استقرار حكم نظام حافظ الأسد البائد، وأن دراسات مجتمع الأعمال السوري «تميّز بين طبقة تجارية وصناعية تقليدية بقيت تعمل وتتكيف مع النظام البائد، وبين نخب اقتصادية جديدة ارتبط وصول بعضها إلى الفرص والامتيازات بشبكات السلطة». وأضاف إن دراسات أكاديمية وصفت “كيف وفرت العلاقة غير الرسمية بين الدولة وبعض أصحاب الأعمال الحماية والامتياز لبعضهم، وأضعفت المنافسة والتطور الطبيعي للاقتصاد”. وأشار إلى أن شبكات الامتياز “ضاقت في عهد المخلوع بشار الأسد، واستفاد رجال أعمال من قربهم من الأسرة الحاكمة أو أجهزة الدولة للحصول على فرص لم تكن متاحة للآخرين”.
واستطرد نحاس: «هنا حدث تحول بالغ الخطورة في الثقافة الاقتصادية السورية، إذ أصبح النفوذ نفسه أصلًا اقتصاديًا، وأصبحت العلاقة موردًا يستطيع أن ينتج مالًا كما ينتجه المصنع. الرخصة لها قيمة. الاستثناء له قيمة. الأرض العامة لها قيمة. العقد الحكومي له قيمة. الاحتكار له قيمة. والقدرة على تجاوز موظف أو إبعاد منافس لها قيمة». وأضاف: «وحين يصبح الوصول إلى صاحب القرار أحد عناصر الإنتاج، نكون قد انتقلنا من رأسمالية السوق إلى شيء آخر: رأسمالية الامتياز والمحسوبية. وهكذا لم يعد الفساد مجرد مخالفة داخل الاقتصاد، وإنما أصبح جزءًا من بنية الحوافز التي تحكمه».
ووصف الاقتصاد السوري بأنه تفتت جغرافياً ومؤسسياً مع بدء الثورة والحرب، «فظهرت شبكات جديدة للنفط والنقل والتجارة والحواجز والمقاولات والتحويلات والتوريد، وخرج بعض رجال الأعمال القدامى، وصعد رجال جدد، وتبدلت تركيبة النخبة الاقتصادية داخل مناطق النظام». وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن سوريين “غادروا إلى تركيا ومصر والأردن والخليج وأوروبا، وأعاد بعضهم بناء تجارته أو مصنعه من الصفر، وإلى مغتربين سوريين أنشؤوا شركات كبرى واكتسبوا خبرات إدارية وأسواقاً وعلاقات دولية”.
ولفت إلى أنه خلال سنوات الثورة تشكّل رجال أعمال جدد في البيئات الاقتصادية خارج سيطرة النظام «بعضهم بنى أعمالًا مشروعة وتراكمت خبرته، وبعض الثروات التي ولّدتها سنوات الحرب تستحق بطبيعتها التدقيق في مصادرها». وتابع: «لذلك لا توجد اليوم طبقة رجال أعمال سورية واحدة، وخلط هؤلاء جميعًا تحت مسمى واحد يفسد النقاش منذ بدايته».
وعرّف رجل الأعمال، في المعنى الذي تحتاجه سوريا اليوم، بأنه «من يجمع رأس المال والمعرفة والتنظيم والمخاطرة ليخلق قيمة قابلة للاستمرار». وأوضح أن القيمة لا تعني الربح وحده، وإنما تجيب أيضًا عن سؤال: «ماذا أضاف هذا الربح إلى البلد؟»، مشيرًا إلى أن مشروعًا قد يحقق أرباحاً ضخمة لصاحبه “مع أثر محدود في التشغيل والإنتاج ونقل المعرفة، بينما يحقق مصنع أرباحا أقل لكنه يشغّل مئات العمال، ويخلق شبكة من الموردين، ويخفف الاستيراد، وينقل تقنية، ويفتح بابًا للتصدير”. وقال: «من وجهة نظر المستثمر كلاهما مشروع. ومن وجهة نظر التنمية ليسا سواء».
وذكر المستشار الصناعي أنه بعد انتهاء حكم النظام المخلوع في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤، بدأت سوريا مرحلة اقتصادية جديدة اتجهت منذ بداياتها نحو توسيع دور القطاع الخاص وإعادة هيكلة القطاع العام، وأن مسؤولين تحدثوا في كانون الثاني ٢٠٢٥ عن التوجه إلى خصخصة شركات عامة مع الإبقاء على بعض البنى الاستراتيجية في يد الدولة. وتساءل: «أين يلتقي ربح المستثمر مع حاجة البلد؟»، مشيرًا إلى الحاجة إلى الطاقة والإسكان والصناعات الغذائية والدوائية والنسيجية والهندسية ومواد البناء والزراعة الحديثة، فضلًا عن تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة وإعادة بناء سلاسل الموردين.
ورأى أن مناقشات «حوار القطاع الخاص السوري» التي عقدت في دمشق سنة ٢٠٢٦ كانت لافتة، لأنها وضعت الإنتاج وسلاسل القيمة والتمويل والمهارات واللوجستيات والتصدير والمنافسة والاستثمار المنتج ضمن القضايا المركزية. واستدرك: «لكن المسافة بين الحوار والسياسة العامة تُقاس بما يحدث على الأرض. فكيف تُعطى المشاريع ولمن؟».
وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي شدد، في زياراته إلى سوريا أواخر ٢٠٢٥ ومطلع ٢٠٢٦، على حوكمة المشروعات الاستثمارية الكبرى مع القطاع الخاص، وعلى دور وزارة المالية في تقييم ما قد تتحمله الدولة من التزامات ومخاطر. كما لفت إلى برنامج أقره البنك الدولي في آذار ٢٠٢٦ لدعم الإدارة المالية العامة والمشتريات الحكومية والشفافية والرقابة، وإلى دراسة نشرتها «مبادرة الإصلاح العربي» في تموز من العام نفسه “تناولت مخاوف مجتمعات محلية تتعلق بالشفافية والمشاركة والملكية في مشروعات إعادة الإعمار”.
وعن رجال أعمال النظام السابق، قال نحاس: «ما أخشاه ليس ظهور رامي مخلوف آخر… بل بقاء الآلة التي تستطيع صناعته. ولو خرج من المشهد جميع رجال الأعمال الذين صنعهم النظام السابق، ثم بقيت الطريقة نفسها في منح الفرص، فسوف تنتج الطريقة أشخاصًا جددًا يشبهونهم اقتصاديًا، حتى لو اختلفت أسماؤهم وخلفياتهم ومواقفهم».
وختم بقوله: «أريد رجال أعمال سوريين شديدي الثراء، وشركات تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، وعلامات صناعية سورية يعرفها العالم، ولا أرى تناقضًا بين الثراء والوطنية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الغنى ثمرة الامتياز بدل الكفاءة». وأضاف: «السؤال عن رجل الأعمال السوري الجديد يخفي وراءه سؤالًا أكبر بكثير: ما الدولة السورية الجديدة التي ستصنعه؟ ولهذا يبدأ إعمار سورية الحقيقي حين نعيد بناء الطريقة التي تُصنع بها الثروة».









