Opens in a new tab
المزيد

‫آخر الأخبار:‬

دعم الخبز والقمح 600 مليون دولار للصناعة.. ورهان على 600 ألف طن تخزين إضافي

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

كشف ماهر الحسن، نائب وزير الاقتصاد ومدير الإدارة العامة للتجارة وحماية المستهلك عن الكثير من القضايا والخفايا التي تولجه أصحاب القرار في تأمين مادة الخبز موضحاً أن 72% من قيمة الخبز تتحملها الدولة، وتكلفة الدعم تتجاوز 600 مليون دولار سنوياً وفق تقديرات حكومية، فيما تراهن سوريا على صوامع جديدة لتعزيز قدرتها التخزينية وتقليل مخاطر الهدر.

لا تقتصر معادلة الخبز على السعر الذي يدفعه المواطن مقابل الربطة، بل تبدأ من تأمين القمح، وتمتد إلى استيراده وشرائه وتخزينه وطحنه وتوزيع الطحين على المخابز، قبل أن تنتهي عند المستهلك. وكل حلقة في هذه السلسلة تحمل تكلفة مالية، فيما يضع ضعف القدرة الشرائية الحكومة أمام تحدي استمرار الدعم، بالتوازي مع ضبط الإنفاق ومنع الهدر.

وخلال جلسة قال، الحسن، إن نسبة دعم الخبز ارتفعت من نحو 60% في نهاية مرحلة التحرير إلى 72% حالياً، وإن تكلفة الدعم تتجاوز 600 مليون دولار سنوياً، مؤكداً عدم وجود موعد محدد لرفع سعر الخبز أو تقليص الدعم.

وفي المقابل، أعلن الحسن عن خطوات لتوسيع القدرة التخزينية للقمح، تشمل إنشاء أكثر من 27 صومعة معدنية وإدخال ثلاث صوامع بيتونية إلى الخدمة خلال الموسم المقبل، بطاقة تخزينية إضافية معلنة تبلغ 600 ألف طن عند اكتمال الخطتين.

وبين دعم يتحمل الجزء الأكبر من تكلفته المال العام، وفجوات في الأسعار تفرض تحديات رقابية، وخطط لزيادة التخزين، تبرز أسئلة تتجاوز القرارات المعلنة إلى كفاءة إدارة منظومة القمح والخبز، ومصادر تمويلها، ومدى قدرتها على حماية الأمن الغذائي.

72% من قيمة الخبز.. عبء على الخزينة

وفق الحسن، يدفع المواطن نحو 28% من القيمة الحقيقية للخبز، بينما تتحمل الدولة النسبة المتبقية. ويعكس ذلك تمسك الحكومة بالدعم في ظل تدني دخول المواطنين وارتفاع تكاليف تأمين المواد الأساسية.

وأكد الحسن في تصريح لـ “الوطن” أن أي تغيير في منظومة الدعم يرتبط بتحسن النمو الاقتصادي ودخول المواطنين، مشيراً إلى أن التوجه نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على آليات السوق لا يعني الانتقال الفوري إلى تحرير الأسعار.

لكن استمرار الدعم يطرح سؤالاً مالياً أساسياً: كيف تُحتسب تكلفته السنوية، وما مصادر تغطيتها، وما حجم العبء الذي تفرضه على الموارد العامة في ظل احتياجات قطاعات أخرى إلى التمويل؟

قدّر الحسن تكلفة دعم الخبز بأكثر من 600 مليون دولار سنوياً، وهو رقم يحتاج إلى تفصيل يوضح مكوناته، وما إذا كان يشمل دعم القمح والطحين والخبز وتكاليف النقل والتخزين والطحن، أم يقتصر على عناصر محددة من هذه السلسلة.

ولا يكفي إعلان إجمالي التكلفة لتقييم السياسة، إذ يتطلب ذلك معرفة حجم القمح الذي تشتريه الدولة محلياً أو تستورده، ومتوسط تكاليف تأمينه، وكميات الطحين الموزعة، وحجم الخبز المنتج، والفارق بين التكلفة الفعلية والسعر الذي يدفعه المستهلك.

فمن دون هذه البيانات، يصعب تحديد ما إذا كانت الزيادة في تكلفة الدعم ناتجة عن أسعار الشراء والاستيراد، أو النقل والتخزين والإنتاج، أو اختلالات التوزيع والرقابة، كما يصعب قياس مدى وصول الدعم إلى مستحقيه.

فجوة أسعار الطحين.. أين تذهب الكميات المدعومة؟

و أشار الحسن إلى أن الدولة تسلّم المخابز الطحين بسعر مدعوم، وذكر أن سعر الطن يبلغ نحو 15 ألف ليرة سورية، أو ما يعادل قرابة 100 دولار وفق تقديره.

ويؤدي اتساع الفارق بين السعر المدعوم وسعر السوق إلى زيادة أهمية الرقابة على استخدام الطحين، والتأكد من توجيهه إلى إنتاج الخبز المحدد له، بدلاً من تحويله إلى استخدامات أخرى.

وأوضح الحسن أن هذا الفارق قد يخلق حوافز لتسرب الطحين المدعوم، كما قد يضغط على بعض المخابز الخاصة. لكن إثبات حجم التسرب يتطلب بيانات عن الكميات المصروفة والمستخدمة فعلياً، ومطابقتها مع حجم الإنتاج، إلى جانب أرقام المخالفات والإجراءات المتخذة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن أي كمية من الطحين لا تصل إلى غايتها المقررة لا تعني خسارة المادة وحدها، بل قد تعني أيضاً ضياع جزء من المال العام الذي تحمل تكلفة دعمها.

ولذلك، لا تنحصر المعالجة في تشديد الرقابة الميدانية، بل تشمل تطوير نظام لتتبع القمح والطحين من لحظة الشراء والتخزين حتى وصول الخبز إلى المستهلك، ونشر بيانات دورية عن الكميات الموزعة والإنتاج الفعلي والمخالفات المكتشفة.

كما أن تحديد الفجوة السعرية بدقة ضروري لتقييم حجم الحافز الاقتصادي على التسرب. ويحتاج الرقم الذي أورده المسؤول عن سعر الطحين في السوق إلى تثبيت العملة والوحدة قبل إجراء مقارنة نهائية مع السعر المدعوم.

القمح لا يكفي وحده.. التخزين جزء من الأمن الغذائي

لا تتوقف حماية منظومة الخبز عند شراء القمح وتأمين الدعم، بل تشمل أيضاً القدرة على تخزين المحصول بكفاءة، ولا سيما أن أي خلل في التخزين أو النقل قد يرفع الكلفة ويؤثر في جودة المادة الأساسية.

وحسب الحسن، تبلغ حاجة سوريا السنوية من القمح المخصص للخبز نحو 2.5 مليون طن، مع احتمال ارتفاعها نتيجة عودة السكان والنمو الطبيعي. كما أشار إلى احتياجات إضافية للصناعات الغذائية، قد تقارب مليون طن، تشمل منتجات مثل السميد والبرغل والمعكرونة والحلويات والمعجنات.

وتعني هذه الاحتياجات أن إدارة القمح لا ترتبط فقط بتأمين ما يكفي لإنتاج الخبز اليومي، بل أيضاً ببناء قدرة تخزينية تسمح باستيعاب المحصول وحمايته، وتقليل الاعتماد على التخزين المكشوف وما قد يرافقه من فاقد أو تراجع في الجودة.

وفي هذا الإطار، أعلن الحسن بدء إنشاء أكثر من 27 صومعة معدنية بطاقة تخزينية إضافية تبلغ 300 ألف طن، إلى جانب إدخال ثلاث صوامع بيتونية إلى الخدمة خلال الموسم المقبل، بطاقة تخزينية أخرى تبلغ 300 ألف طن.

وحسب الأرقام المعلنة، يمكن أن تصل الزيادة الإجمالية في القدرة التخزينية إلى 600 ألف طن عند اكتمال الخطتين. لكن تقييم أثر هذه الزيادة يتوقف على موعد دخول المنشآت الخدمة فعلياً، ومواقعها، وقدرتها التشغيلية، ومدى ارتباطها بمراكز الإنتاج والشراء والمطاحن.

فالسعة التخزينية المعلنة لا تعني بالضرورة أن الكمية نفسها ستكون متاحة للتخزين في الوقت المناسب، ما لم تكتمل أعمال الإنشاء والتجهيز، وتتوافر البنية اللازمة للنقل والتشغيل والصيانة.

كما أن نجاح الخطة لا يُقاس بعدد الصوامع أو سعتها فقط، بل بقدرتها على تقليل الفاقد، وتحسين جودة القمح، وخفض تكاليف النقل والتخزين، وتسهيل إدارة المخزون على مدار العام.

600 ألف طن إضافية.. ما الذي تحققه فعلياً؟

يمكن للتوسع في التخزين أن يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة المحصول، ويساعد على تقليل الضغوط التي تظهر خلال موسم الشراء عندما تتجاوز الكميات الواردة القدرة المتاحة للاستيعاب.

لكن الأثر الاقتصادي للمشروعات الجديدة سيظل مرتبطاً بكلفتها ومصادر تمويلها وجدول تنفيذها. فإضافة سعة تخزينية تحتاج إلى استثمارات في الإنشاء والتجهيز والتشغيل، ما يجعل الإفصاح عن التمويل والعقود والكلف الفعلية جزءاً أساسياً من تقييم المشروع.

ومن المهم أيضاً معرفة ما إذا كانت الصوامع ستوزع جغرافياً بما يحد من مسافات نقل القمح، وما إذا كانت ستتصل بشبكة المطاحن ومراكز الاستلام، لأن إنشاء سعات بعيدة عن مناطق الإنتاج أو نقاط الاستهلاك قد يقلل من العائد الاقتصادي المتوقع.

كذلك، لا يمكن اعتبار زيادة التخزين بديلاً من تأمين القمح نفسه. فالقدرة على استيعاب مئات آلاف الأطنان لا تحل مشكلة نقص الإمدادات إذا لم تتوافر كميات كافية من الإنتاج المحلي أو الاستيراد، لكنها قد تحسن إدارة الكميات المتاحة وتقلل خسائر التعامل معها.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ربط خطة الصوامع ببيانات واضحة عن الاحتياجات السنوية، والإنتاج المحلي، والكميات المستوردة، والمخزون المتاح، ونسب الفاقد، بما يسمح بتقييم ما إذا كانت الزيادة المعلنة كافية مقارنة بحجم الطلب الفعلي.

بين دعم المستهلك وكفاءة الإنفاق

تواجه الحكومة معادلة مترابطة: الحفاظ على سعر الخبز بما يتناسب مع دخل المواطن، وتأمين القمح والطحين بالكميات اللازمة، وضمان ألا يتحول الدعم إلى عبء مالي يصعب قياس نتائجه أو ضبط استخدامه.

وفي هذه المعادلة، لا يبدو تقليص الدعم أو تحرير الأسعار حلاً فورياً في ظل الظروف المعيشية الحالية، وفق تصريحات الحسن. لكن استمرار الدعم بالمستويات المعلنة يفرض تحسين الشفافية بشأن كلفته، ومصادر تمويله، وآليات توزيع الطحين، والنتائج التي تحققها إجراءات الرقابة.

وفي الوقت نفسه، يمكن للتوسع في التخزين أن يعزز الأمن الغذائي، إذا اقترن بتنفيذ فعلي للصوامع الجديدة، وخفض الفاقد، وتحسين إدارة المخزون، وتوفير بيانات عن كلفة المشروعات وعائدها.

فالاختبار الحقيقي لا يتمثل في مقدار الدعم الذي تعلنه الدولة، ولا في عدد الصوامع التي تعلن إنشاءها، بل في قدرة المنظومة على تحويل الإنفاق العام والاستثمارات الجديدة إلى نتائج قابلة للقياس: خبز متاح بسعر مناسب، وطحين يصل إلى وجهته، وقمح محفوظ بكفاءة، وكلفة مالية واضحة يمكن تقييمها ومراقبتها.

‫مواضيع:‬