تصرفات تنظيم “قسد” في منطقة دير حافر شرق حلب مثال على طبيعة السلوك الذي بات يميّز هذا التشكيل المسلح، في طريقة تعاطيه مع المدنيين ، فالصور القادمة من هناك والممارسات التي يقوم بها، من منع الأهالي من مغادرة المناطق، واحتجازهم قسراً، وإرهابهم بإطلاق النار، وفرض أتاوات مالية، وصولًا إلى القصف في محيط مناطق أُعلن عنها كممرات آمنة، تكشف أبعاداً قانونية وسياسية وعسكرية خطيرة، وفق متابعين.
خبراء في القانون الدولي أفادوا لـ”الوطن” بأن أفعال “قسد” هذه تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فاحتجاز المدنيين ومنعهم من الحركة واستخدامهم دروعاً بشرية يُعد خرقاً صريحاً لاتفاقيات جنيف، التي تفرض على الأطراف المتحاربة حماية السكان المدنيين وضمان حرية تنقلهم بعيداً عن مناطق القتال، كما أن فرض “أتاوات” مالية مقابل السماح بالمغادرة يرقى إلى مستوى الابتزاز المنظم، وهو سلوك تحرّمه القوانين الدولية ويصنّف ضمن الجرائم الواقعة على المدنيين في النزاعات المسلحة، كذلك فإن إطلاق النار بقصد الترهيب يؤكد غياب أي التزام بقواعد التمييز والتناسب التي تشكل جوهر القانون الإنساني.
ومن غير الممكن الحديث عن الجوانب القانونية دون ربطها بالبعد السياسي، إذ يرى مراقبون أن هذه الممارسات تعكس مأزق “قسد” المتنامي في مناطق مثل دير حافر، فبدل السعي إلى كسب الحاضنة الاجتماعية، تلجأ قيادة التنظيم إلى أدوات القسر والخوف في محاولة لـ “ضبط” السكان، ما يعمّق فجوة الثقة، ويؤكد أن مشروع “الإدارة الذاتية” يُفرض بالقوة لا بالقبول الشعبي، كما أن هذه الانتهاكات تضعف الخطاب السياسي الذي يحاول تنظيم “قسد” تسويقه خارجياً بوصفه قوة “استقرار” أو شريكاً في محاربة الإرهاب.

إضافة إلى ذلك، وإذا ما تحدثنا عن البعد العسكري، فإن سلوك “قسد” في دير حافر يكشف عن اعتماد تكتيكات دفاعية هشة تقوم على تحصين المواقع بالمدنيين بدل بناء خطوط عسكرية صلبة، عبر استخدام السكان وسيلة ردع، وهو ما يعكس خشية من فقدان السيطرة الميدانية، ويؤشر إلى محدودية القدرة على الصمود في مواجهة أي ضغط عسكري منظم، كما أن القصف في محيط مناطق أُعلن عنها ممرات آمنة ينسف أي ادعاء بالالتزام بقواعد الاشتباك، ويحوّل المدنيين إلى وقود في معركة سياسية وعسكرية خاسرة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما يجري في دير حافر بوصفه حوادث معزولة، بل كجزء من نمط ممنهج في سلوك تنظيم “قسد”، إذ سبق أن اتبعه في حيي الأشرفية والشيخ مقصود قبل استعادتهما من الجيش العربي السوري، وهو نمط يضع التنظيم في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، ويقوض موقعه السياسي، ويكشف هشاشته العسكرية، ويؤكد أن من يدّعي حماية المدنيين لا يمكن أن يفعل ذلك عبر احتجازهم وترهيبهم.
الوطن








