لا تبدو المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية أقرب إلى تسوية سياسية بقدر ما تبدو محاولة لإدارة اختلال موازين الضغط بين طرفين، ما زال كل منهما يعتقد أن التنازل في هذه المرحلة قد يكلفه أكثر مما يحققه الاتفاق.
وبينما تدفع واشنطن باتجاه إنهاء الحرب، تكشف مواقف موسكو وكييف عن فجوة تتجاوز التفاصيل التفاوضية إلى خلاف جوهري حول شكل السلام نفسه، وما إذا كان سيضع حداً للصراع أم يعيد إنتاجه بشروط مختلفة؟
في تحليلها للمشهد، ترسم شبكة “سي إن إن” صورة لمسارين متوازيين، إذ يعمل الأوروبيون وأوكرانيا على بلورة صيغة تستوعب الضغوط الأميركية، بينما تحاول موسكو إغراء واشنطن بفرص التعاون الاقتصادي، بالتزامن مع استمرار عملياتها العسكرية، ويختصر هذا التوازي المعضلة الأساسية بأن المفاوضات تتحرك سياسياً، لكن الحرب ما زالت تؤدي دورها في تحديد شروط التفاوض.
فروسيا تتمسك بالسيطرة على ما تبقى من دونباس تحت الإدارة الأوكرانية، إلى جانب مطالب تمس القدرات العسكرية لكييف وخياراتها الاستراتيجية، وفي الطرف المقابل لا تنظر أوكرانيا إلى المناطق المتبقية في دونيتسك باعتبارها مساحة يمكن التخلي عنها مقابل وقف إطلاق النار، بل باعتبارها جزءاً من منظومتها الدفاعية.
وتعيد “سي إن إن” إلى الأذهان، في هذا السياق، تصريحاً لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن تقديره أن روسيا تسيطر على معظم دونيتسك، باستثناء نحو 11 بالمئة، تمثل، وفق الطرح الوارد، مواقع دفاعية ذات أهمية عسكرية.
ووفق القراءة التحليلية، تتجاوز المسألة حدود الأرض المتنازع عليها، فالتنازل الإقليمي قد يغيّر خطوط المواجهة، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تتخلى موسكو عن مطالبها الأخرى، أو أن تحصل كييف على ضمانات تحول دون تجدد القتال، ومن ثم فإن اختزال التسوية في خريطة جديدة للسيطرة قد ينقل المخاطر إلى مرحلة لاحقة بدلاً من إنهائها.
وفي هذا الإطار، يأتي الدور الأميركي، الذي تظهر فيه مفارقة أكثر تعقيداً، فالضغط على كييف، وتقليص بعض أوجه الدعم أو تعليقها، والحديث عن تفاهمات اقتصادية مع موسكو، لم تثبت قدرتها على انتزاع تنازلات روسية مقابلة.
على العكس من ذلك فإن تفاوت أدوات الضغط قد يضعف الموقع التفاوضي الأوكراني من دون أن يبدّل حسابات الكرملين، وفي المقابل يمنح استئناف تبادل المعلومات الاستخبارية مع واشنطن كييف مساحة محدودة لإعادة ترتيب علاقتها بحليف لا تستطيع الاستغناء عن دعمه بسهولة.
وتدفع هذه المعادلة الأوروبيين إلى الاستعداد لاحتمال استمرار الحرب مع تحمل مسؤولية أكبر عن أمن أوكرانيا، غير أن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية يحتاج إلى وقت وموارد، بينما تستمر الضربات على البنية التحتية والطاقة، وتبقى التكلفة البشرية والاقتصادية للصراع مفتوحة.
المشكلة، إذاً، ليست في غياب الحديث عن السلام، بل في غياب ما يضمن توازن الالتزامات بعد إبرام أي اتفاق، فإذا لم تقترن التسوية بضمانات قابلة للتنفيذ، وبصيغة تعالج مخاوف الأمن وحدود التنازل الإقليمي، قد يتحول وقف القتال إلى هدنة هشة، تستريح خلالها الجبهات من دون أن تنتهي أسباب الحرب.
أسرة التحرير









