يمثل رفع التصنيف الاقتصادي عن سوريا بعد 47 عاماً من العزلة لحظة تتجاوز في دلالاتها مجرد إزالة قيد مالي أو قانوني، فهو يفتح نافذة أمام الاقتصاد السوري لاستعادة الاتصال الطبيعي بالنظام المالي والتجاري الدولي، ويعيد رسم العلاقة بين المصارف والشركات السورية والأسواق الخارجية. غير أن الانتقال من فك العزلة إلى تحقيق التعافي الاقتصادي لا يحدث بقرار واحد، بل يحتاج إلى بيئة مؤسسية قادرة على تحويل الانفتاح الخارجي إلى تمويل واستثمار وإنتاج ونمو.
وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة أن رفع التصنيف يمثل شرطاً ضرورياً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، لكنه لا يكفي بمفرده لإحداث تحول اقتصادي حقيقي، ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية ومؤسسية واسعة.
ورأى محمد أن الأهمية الأساسية للقرار تكمن في إعادة الاعتراف بسوريا كطرف قابل للتعامل المالي والتجاري، بعد سنوات طويلة من ارتفاع المخاطر والعزلة شبه الشاملة، ويتيح ذلك إعادة الاندماج التدريجي في أنظمة المدفوعات الدولية، وتسهيل التحويلات المالية، وفتح قنوات الائتمان والتأمين على الصادرات والواردات، إضافة إلى إمكانية إعادة النظر في تكلفة التمويل وأسعار الفائدة المرتبطة بالديون السيادية.
وأشار إلى أن الأهم هو منح المؤسسات المالية الدولية والإقليمية والمصارف العالمية غطاء قانونياً وفنياً أوسع للتعامل مع المصارف والشركات السورية، بعد أن شكلت العقوبات ومخاطر العقوبات الثانوية عائقاً رئيسياً أمام أي تعامل مالي طبيعي.
ووضع محمد القطاع المصرفي في مقدمة القطاعات التي يمكن أن تستفيد من التحول، معتبراً أن استعادة القدرة على التعامل بالعملات الأجنبية عبر شبكة المراسلين الدوليين يمكن أن تخفض تكلفة التحويلات وتعزز الثقة بالجهاز المصرفي المحلي.
لكن هذه الفرصة، حسب محمد، مرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي العام، ورفع مستوى الامتثال والشفافية وتطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يسمح للمصارف السورية بالعودة إلى التعامل مع المؤسسات المالية الدولية على أسس أكثر استقراراً.
وعلى مستوى الاستثمار، رأى محمد أن القرار يمكن أن يسهم في خفض علاوة المخاطر المرتبطة بالسوق السوري، ما يفتح المجال أمام تدفقات جديدة من رؤوس الأموال الأجنبية والسورية في الخارج، لا سيما نحو قطاعات الطاقة والصناعات التحويلية والزراعة.
إلا أن جذب المستثمرين لا يرتبط بانخفاض المخاطر المالية فقط، بل يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وقضاء تجاري فاعل، وضمانات واضحة لحقوق الملكية، وسياسات استثمارية قادرة على توفير قدر كاف من الاستقرار والثقة للمستثمر.
أما التجارة الخارجية، فمن المتوقع أن تستفيد من عودة أدوات التمويل والتأمين التجاري بصورة أكثر طبيعية، بما يساعد على خفض تكاليف الاستيراد والتصدير، وتسهيل الاعتمادات المستندية وتأمين الشحنات.
وأشار محمد إلى أن الانفتاح المالي يمكن أن يساعد الشركات السورية على العودة تدريجياً إلى سلاسل التوريد الإقليمية والدولية، بعد سنوات من الانقطاع، وهو ما قد يمنح الاقتصاد فرصة لاستعادة جزء من قدرته على التصدير والمنافسة.
وفي ملف إعادة الإعمار، يعتبر محمد أن رفع التصنيف يمكن أن يشكل مفتاحاً للوصول إلى مصادر تمويل جديدة عبر المؤسسات الدولية والصناديق التنموية، إلا أن حجم الاستفادة سيبقى مرتبطاً بحجم التمويل المتاح وقدرة الدولة على تحديد الأولويات الإنمائية وإدارة الموارد بشفافية وكفاءة.
وتوقع أن تبدأ المؤشرات الاقتصادية الأولية بالظهور خلال 12 إلى 24 شهراً، بينما تحتاج التحولات الهيكلية الكبرى إلى فترة أطول قد تمتد بين 3 و5 سنوات، تبعاً لسرعة الإصلاحات وقدرة المؤسسات الاقتصادية على استثمار الفرصة الجديدة.
وحذر محمد من النظر إلى رفع التصنيف باعتباره حلاً تلقائياً للمشكلات الاقتصادية المتراكمة، مؤكدًا أن القرار يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس مختلفة، لكنه ليس عصا سحرية.
وشدد على أن الاستفادة الحقيقية من الانفتاح تتطلب حوكمة رشيدة، وإصلاحاً مصرفياً ونقدياً، وسياسات استثمارية أكثر تنافسية، وإدارة شفافة لموارد إعادة الإعمار، محذراً من أن غياب هذه الإصلاحات قد يجعل آثار الانفتاح محدودة، أو يسمح بتوجيه جزء من التدفقات المالية نحو المضاربة بدلاً من الاستثمار والإنتاج.
وحسب محمد، فإن التحدي الأساسي أمام الاقتصاد السوري لم يعد في استعادة قنواته مع الخارج فقط، وإنما في قدرته على بناء مؤسسات داخلية تجعل هذه القنوات منتجة ومستدامة.
إن رفع التصنيف يزيل جزءاً من الحاجز أمام حركة الأموال والتجارة، لكن تحويل هذه الفرصة إلى نمو حقيقي يتطلب اقتصاداً أكثر شفافية وكفاءة وقدرة على جذب رأس المال وتوجيهه نحو الإنتاج.
وعليه، فإن القيمة الاقتصادية الأهم للقرار لا تكمن في فتح الأبواب الخارجية فحسب، بل في قدرة الاقتصاد السوري على الدخول من هذه الأبواب بشروط جديدة، بحيث يتحول فك العزلة المالية من حدث سياسي وقانوني إلى نقطة انطلاق لدورة استثمار وإنتاج وتمويل تعيد وصل الاقتصاد السوري بالأسواق العالمية وتدعم قدرته على النمو.






