باتت مشاركة سوريا في المحافل الدولية المعنية بالأمن والعدالة، تعكس تحولاً في مفهوم العمل الأمني نفسه، يقوم على بناء مؤسسة تحمي المجتمع وتطبق القانون وتضع المواطن في مركز عملها، بالتوازي مع تطوير أدواتها للتعامل مع الجرائم الحديثة والعابرة للحدود.
وفي مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبو ظبي، حيث تشارك 97 دولة و32 وزيراً للعدل والداخلية، قدمت سوريا تصوراً يتجاوز حدود المشاركة إلى طرح ملامح مرحلة جديدة في عمل مؤسسات إنفاذ القانون، عنوانها استعادة الثقة ورفع المهنية، وربط الأمن بسيادة القانون وحقوق الإنسان.
ويأتي هذا التوجه في سياق إعادة بناء العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع، بعد سنوات طويلة من إرث القمع والانتهاكات خلال حقبة النظام البائد، وبالتالي بات هدف هذه المؤسسة الأول اليوم استعادة ثقة المواطن بجهاز يعمل من أجله لا عليه، وأن تجعل حماية المواطن وتطبيق القانون معياراً لفاعليتها.
ويمكن قراءة هذا التحول عبر ثلاثة مسارات متوازية: صورة مؤسسية جديدة تعكس الانضباط والمهنية، وتطوير أدوات العمل الميداني والتحقيق الجنائي بما يواكب التطور التقني، وعقلية إدارية تجعل المواطن محور الإجراء الأمني وغاياته.
وهنا تتجاوز دلالة المشاركة السورية في أبو ظبي منصة المؤتمر، لأنها تأتي في وقت تعمل فيه وزارة الداخلية على إعادة صياغة مفهوم الأمن من الداخل، باعتبارها مؤسسة لإنفاذ القانون، تستمد فاعليتها من المهنية وتستمد هيبتها من ثقة المجتمع بها.
في هذا المفهوم، يصبح المواطن نقطة البداية والغاية في آن واحد، فالأمن الفاعل لا يقاس فقط بقدرته على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما بقدرته على الوقاية منها، والاستجابة السريعة للبلاغات وحماية الضحايا وصون الحقوق، وتقديم خدمة شرطية يشعر معها المواطن بأن القانون حاضر لحمايته.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن طبيعة الجريمة نفسها، فحديث وزير الداخلية أنس خطاب في أبو ظبي عن الأدلة الرقمية والتحقيقات المالية والجنائية ومكافحة الجرائم السيبرانية يعكس إدراكاً بأن الجريمة الحديثة لم تعد محصورة في مسرح جريمة تقليدي، بل باتت تستفيد من التكنولوجيا والأنظمة المالية وشبكات الاتصال والحركة العابرة للحدود.
وبالتالي، فإن بناء جهاز أمني محترف لم يعد يعني زيادة القدرة على الانتشار والضبط فقط، بل امتلاك المعرفة المتخصصة والأدوات التقنية والقدرة على تحليل المعلومات وحماية الأدلة، وملاحقة الجريمة وفق إجراءات قانونية قابلة للتدقيق، وهنا تتقاطع المهنية الأمنية مع سيادة القانون.
ومن هذا الباب تحديداً يصبح التعاون الدولي امتداداً للأمن الوطني، فالجريمة المنظمة والمخدرات وغسل الأموال والجرائم السيبرانية لا تتوقف عند الحدود، ما يجعل تبادل المعلومات والخبرات والاستفادة من آليات الإنتربول والمساعدة القانونية المتبادلة أدوات ضرورية لتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على مواجهتها.
وتكتسب المشاركة السورية بعداً أكثر وضوحاً مع إعلان وزير الداخلية اعتماد استراتيجية وطنية لمنع الجريمة والعدالة الجنائية للفترة 2026-2031، إلى جانب التعهد بإنشاء آليات وطنية لتنسيق مكافحة الجريمة المنظمة خلال الأشهر الـ12 المقبلة.
وبذلك، لا تبدو مشاركة سوريا في أبو ظبي منفصلة عن مسار يجري بناؤه في الداخل، بل تمثل واجهته الدولية: مؤسسة أمنية أكثر مهنية وتخصصاً تتعامل مع أدوات الجريمة الجديدة، وفي الوقت نفسه تعيد ترتيب علاقتها بالمجتمع على قاعدة أن المواطن ليس متلقياً للإجراء الأمني فحسب، بل هو الغاية الأساسية منه، وأن رجل الأمن يقف في خدمة المجتمع.
أسرة التحرير






