في وقتٍ لا تزال فيه سوريا تواجه تحدّيات إعادة البناء واستعادة التوازن بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة، جاءت مشاركتها في المنتدى العالمي للتعليم في العاصمة البريطانية لندن لتكشف عن ملامح مرحلة جديدة تتجاوز حدود الانفتاح الدبلوماسي التقليدي نحو فضاءات أكثر ارتباطاً ببناء الإنسان واستعادة دور المؤسسات الحيوية في الدولة.
الحضور السوري في المنتدى، ممثّلاً بوزيري التعليم العالي والتربية مروان الحلبي ومحمد تركو وعدد من المعاونين والمسؤولين، يعكس توجّهاً متنامياً لإعادة وصل ما انقطع بين سوريا والعالم عبر ملفّات تحمل طابعاً تنموياً وإنسانياً ومعرفياً، فالتعليم، بما يمثّله من ركيزة لإعادة إنتاج الاستقرار وإعادة تأهيل المجتمع، بات أحد أبرز المسارات التي تتحرّك من خلالها دمشق لإعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت المرحلة السابقة.
وخلال السنوات الماضية، دفعت سوريا أثماناً باهظة نتيجة السياسات المغلقة والاستقطابات الحادة التي طبعت حقبة النظام السابق، حيث انعكست خيارات التحالفات الضيقة سلباً على شبكة العلاقات الدولية، وأدخلت البلاد في حالة من الجمود السياسي والاقتصادي والثقافي، الأمر الذي ترك آثاراً عميقة على القطاعات الحيوية وفي مقدّمتها التعليم.

ومع إسقاط نظام بشار الأسد وتولّي الإدارة الجديدة مقاليد الحكم، برز اتجاه واضح نحو تبنّي مقاربة أكثر انفتاحاً وتوازناً في إدارة العلاقات الخارجية، تقوم على توسيع الشراكات والانخراط مع مختلف الأطراف بعيداً عن منطق المحاور والتجاذبات.
وفي هذا السياق، تبدو الملفات التربوية والإنسانية جزءاً أساسياً من الرؤية الجديدة للدولة، إذ لم تنشغل الحكومة الحالية فقط بترتيب الملفّات السياسية والاقتصادية الثقيلة التي ورثتها، بل وضعت مسألة إعادة تأهيل القطاع التعليمي ضمن أولوياتها، إدراكاً منها لحجم التدهور الذي أصاب البنية التعليمية، ولخطورة الفاقد التعليمي الذي يهدّد جيلاً كاملاً.
كما أن الطروحات التي قدّمها الوفد السوري في لندن، والمتعلّقة بالتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتعليم التقاني، وتطوير المناهج وربطها بسوق العمل، تعكس رغبة في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء نموذج تعليمي أكثر حداثة وقدرة على مواكبة التحولات العالمية.
وباختصار يمكن القول: إن اللقاءات التي عقدها الوفد السوري مع مسؤولين بريطانيين وممثّلي مؤسسات دولية تحمل دلالات تتجاوز الجانب الأكاديمي، وخصوصاً مع الحديث عن دعم إعادة تأهيل المدارس، وتوسيع برامج المنح، وتعزيز التعاون مع المنظّمات الدولية والبنك الدولي، فهذه الخطوات تشير إلى أن سوريا الجديدة تسعى إلى إعادة تموضعها ضمن شبكة العلاقات الدولية عبر بوّابات التنمية والمعرفة، في محاولة لاستعادة حضورها الطبيعي بعد سنوات من الانقطاع والعزلة.
الوطن – أسرة التحرير








