المزيد

‫آخر الأخبار:‬

عين على الوطن: “مدرج بصرى”.. تراث عالمي يروي حكاية الحضارات المتعاقبة

‫شارك على:‬
20

يُعتبر “مدرج بصرى” في مدينة درعا، واحداً من أبرز المعالم السياحية في سوريا، وهو مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو نظراً لأهميته التاريخية والمعمارية، ولا يزال يحتفظ ببنيته الأصلية بشكل استثنائي، ما يجعله أحد أفضل المسارح الرومانية المحفوظة في العالم.

ويعد أحد الشواهد الباقية على عظمة الحضارة الرومانية التي ازدهرت في المنطقة، ويقع في مدينة “بصرى” القديمة، التي كانت في العصور الرومانية مركزاً مهماً في جنوب سوريا، وهو ، بحسب الآثاريين، المسرح المكتمل الوحيد في العالم الذي يجمع بين روعة البناء والدقة الفنية، إضافةً إلى كون مدرجه من أكبر المدرجات الأثرية وأجملها، والذي مازال محافظاً على معظم أقسامه وسائر عناصر عمارته منذ العصر الروماني، وهو منحوت من الحجر البازلتي، ويظهر بكامل أقسامه وتبدو منصة التمثيل وجميع تفرعاتها غير منقوصة، وهي مزينة بمحاريب وأبواب كبيرة ويتوّج البناء رواق مسقوف على الشكل المعروف في الملاعب الرومانية.

أقسام المسرح

يقوم المسرح فوق قلعة من العصر النبطي، والمدرج مبني على غرار “المسارح الهلنستية”، بحيث تمتد أطرافه إلى أكثر من نصف دائرة، وترتفع جدرانه إلى ما يزيد على العشرين متراً، وهو محاط بأبواب أرضية ونوافذ علوية بعضها مفتوح وبعضها مغلق، ويتسع المدرج لأكثر من خمسة عشر ألف متفرج، وهو مقسوم إلى ثلاثة أقسام مفصولة بممرات تفتح عليها الأبواب التي يدخل ويخرج منها المتفرجون، ويتألف القسم الأول من 14 درجة، والثاني من 18 درجة، والعلوي من 5 درجات، وقد استعاضوا عن بناء حواجز بين كل قسم من الأقسام الثلاثة كما هو معروف في المسارح القديمة بمظهر المقاعد الحجرية المصفوفة إلى جانب بعضها بعضاً في أعلى كل قسم، وتحتفظ ساحة العازفين ببلاطها الأساسي على حالته القديمة التي نستدل منها على أن هذه الساحة كانت تستعمل لإقامة الطقوس الوثنية في الأعياد والمواسم المعينة لهذه الغاية علاوة على جلوس العازفين، وعند النزول من المدرج إلى المسرح يوجد ثلاثة أبواب، الباب الأول للزائرين أو للمسافرين، والباب الثاني لسكّان المدينة، والباب الثالث للطبقة العليا.

ويعود بناء المسرح إلى منتصف القرن الثاني بعد الميلاد، في فترة حكم الإمبراطور “تراجان” في الحقبة الرومانية، التي أصبحت فيها مدينة “بصرى” عاصمة للولاية العربية الرومانية التي ضمت الجنوب السوري وشرقي الأردن، حيث جعل الرومان من “بصرى” صورة مصغّرة عن مدينة روما بكل منشآتها.

يبلغ طول المسرح 45 متراً وعرضه 8.5 أمتار، ويبلغ عرض منصة التمثيل 45.5 متراً بعمق 8 أمتار، وكانت أرضها مصنوعة من الخشب الذي يستند على قواعد مبنية من الحجر بشكل قوائم مربّعة الشكل تسمح بجلوس الملقّنين تحتها، وينفذ الملقّنون إلى مكانهم تحت أرض المنصة بواسطة باب مبني في الممشى الخلفي الواقع وراء واجهة المسرح، وكانت هذه الواجهة مزيّنة بثلاثة طوابق من الأعمدة المنحوتة على “الطراز الكورنثي”، ومزيّنة بمحاريب مغلقة معدّة لوضع التماثيل، ويُقام وراء جدار المسرح ممر مؤلف من طابقين، الأرضي معد لانتظار الممثلين الذين ينفذون منه إلى منصة التمثيل بواسطة ثلاثة أبواب شاهقة، وبابين جانبيين يعلو كل منهما أربعة ألواح من الجهات الشرقية والغربية من هذا القسم، وينفذ إلى كل لوح بواسطة درج خلفي يسمح بالوصول إلى المماشي الخلفية والقسم الأوسط من المدرج أيضاً.

واجهة لافتة

يتميز مسرح “بصرى” بواجهته الجميلة اللافتة المشكّلة من مجموعة من الأعمدة الرخامية البيضاء، وبالوقت نفسه كان لها مساهمة في عملية كسر الصوت والمساعدة على انتشاره على المدرج، وكانت هناك ثلاث تقنيات في بناء المسرح، الأولى توزيع الصوت من دون وجود مكبرات للصوت في ذلك العصر، والتقنية الثانية دخول وخروج المتفرّجين خلال ربع ساعة من دون أي تزاحم، والتقنية الثالثة تقنية تصريف الأمطار، ووُزّعت الطبقات الاجتماعية في المجتمع الروماني للجلوس في المسرح، فالطبقة الأولى خُصّصت لأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس المدينة، والطبقة الثانية كانت مخصّصة لقادة الجيش والتجّار وصنّاع السيوف، والطبقة الثالثة كانت مخصّصة لعامة الناس والعبيد وقوفاً على الأقدام في الرواق العلوي.

وتوجد في المسرح ممرات معقودة تحت المدرج تتيح للجمهور الدخول والخروج بسرعة ويسر، ويقال إن وقت الدخول والخروج كان يستغرق دقائق قليلة فقط، وكان يتسع لحوالي 10,000 إلى 15,000 مشاهد، وقد تمت هندسته بحيث يستطيع كل مشاهد رؤية العروض بوضوح وسماع كل ما يجري في باحة العرض بفعالية.

الاستخدامات عبر العصور

منذ العصور الرومانية، كان “مدرج بصرى” يُستخدم كمنصة للترفيه الجماعي، حيث احتضن الألعاب الرومانية مثل المبارزات وعروض الحيوانات البرية، وهي فعاليات كانت تجمع بين المتعة والاستعراض الإمبراطوري.

خلال العصر البيزنطي، تغيّر دوره ليصبح مسرحاً للعروض الدينية والمسرحية، التي كانت جزءاً من الطقوس المسيحية في ذلك الوقت.

أهمية استراتيجية وعسكرية، حيث تم تحصينه وتحويله إلى قلعة دفاعية لحماية المدينة من الغزوات، وأُضيفت إليه الجدران الدفاعية والأبراج، وأصبح جزءاً من نظام التحصينات الإسلامية في المنطقة، وهو ما ساعد على بقائه صامداً حتى اليوم.