الوطن_أسرة التحرير
لم تكن حادثة اختطاف الشيخ يحيى الحجار، القائد السابق لحركة رجال الكرامة، حدثاً أمنياً عابراً في السويداء، بل شكلت مؤشراً بالغ الدلالة على عمق التصدعات التي تعتري البنية الفصائلية داخل المحافظة، وعلى المخاطر الناجمة عن استمرار منطق السلاح خارج إطار الدولة.
فالاختطاف، وما سبقه من تهديدات علنية، وما أعقبه من تحرير سريع، يعكس بيئة مشحونة بتنافس النفوذ والصراع على القرار المحلي، في لحظة مفصلية تتطلب أعلى درجات التعقل والمسؤولية.

فالسويداء بتاريخها العريق ورمزيتها الوطنية المرتبطة باسم القائد سلطان باشا الأطرش، لم تكن يوماً ساحة لتصفية الحسابات أو ميداناً لصراعات النفوذ الضيقة، إلا أن تنامي الكيانات المسلحة خلال السنوات الماضية أفرز واقعاً معقداً، بات فيه القرار الأمني عرضة للتجاذبات، وأضحى المواطن الحلقة الأضعف بين استقطابات متعارضة ومشاريع متباينة.
في هذا السياق، تتعاظم أهمية استعادة الدولة السورية لدورها المحوري بوصفها الإطار الجامع والضامن الوحيد للاستقرار، فالدولة بمؤسساتها، هي القادرة على إدارة التناقضات عبر أدوات الحوار والقانون، لا بمنطق الغلبة وفرض الأمر الواقع، والمعالجات الأمنية مهما بلغت ضرورتها، تبقى قاصرة إن لم تُستكمل بمسار سياسي–اجتماعي يعيد ترميم الثقة ويؤكد أن السويداء جزء أصيل من النسيج الوطني، وأن خصوصيتها تُصان ضمن مؤسسات الدولة لا خارجها.
والتأكيدات الصادرة عن مدير أمن السويداء سلمان عبد الباقي، تجسد سردية الدولة القائمة على بسط الأمن بالتوازي مع الانفتاح على الفعاليات الدينية والاجتماعية، ورفض الانجرار إلى صدامات داخلية.
هذه المقاربة، القائمة على الاحتواء والحوار، تمثل مدخلاً عقلانياً لتجفيف منابع الفتنة ومنع انزلاق الخلافات إلى اقتتال أهلي يهدد السلم المجتمعي.
في المقابل، يكشف خروج أمير “دار عرى” حسن يحيى الأطرش إلى دمشق حجم التناقضات داخل الأطراف المتنازعة، فاختياره العاصمة وإعلانه التمسك بالهوية الوطنية السورية، يحملان دلالة سياسية واضحة: حين تضيق هوامش الأمان داخل البنى الفصائلية، تبقى الدولة الملاذ الطبيعي والمرجعية النهائية، وهو ما يعكس محدودية أي مشروع خارج إطار المؤسسات في إنتاج استقرار مستدام.
ويرى مراقبون إن ما تشهده السويداء اليوم لا يمكن اختزاله بصراع بين مكونات اجتماعية، بل هو أزمة إدارة نفوذ داخل بيئة مسلحة متشابكة، والحل لا يكون بترسيخ الوقائع الموازية، بل بإعادة دمج المجال المحلي ضمن الشرعية الوطنية، عبر حوار جاد يفضي إلى تسويات تحفظ كرامة الجميع وتضع السلاح تحت سقف القانون.
وأخيراً، يبقى الرهان على وعي أبناء السويداء، وعلى قدرة الدولة السورية على استثمار هذه اللحظة لإطلاق مسار تهدئة شامل يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويحصن النسيج المجتمعي من مشاريع التفتيت، فالسويداء بتاريخها الوطني، تستحق أن تكون نموذجاً في المصالحة الوطنية، لا ساحة مفتوحة لصراع الإرادات.







