يأتي قرار الولايات المتحدة إعادة قاذفات “بي-1” من “فيرفورد” إلى قواعدها داخل البلاد في وقت تتسع فيه تداعيات المواجهة مع إيران وتتزايد المخاطر المحيطة بالمنشآت العسكرية المرتبطة بالعمليات الأميركية، فالقاعدة البريطانية اكتسبت خلال الأشهر الماضية دوراً مهماً في النشاط الجوي الأميركي، ما يجعل إخراج القاذفات منها خطوة تستحق التوقف عند توقيتها ودوافعها.
قرار “البنتاغون” تزامن مع حادثة أمنية قرب القاعدة أدت إلى إخلاء 85 منزلاً، بعد بلاغ عن ثلاث شاحنات ونشاط مشبوه لمجموعة من الرجال، والتحقيق البريطاني لم يعثر على متفجرات داخل المركبات، لكنه أعلن “استعادة كمية من البنزين”، وأُطلق لاحقاً سراح البريطانيين الخمسة الذين أوقفوا على خلفية الحادثة “بكفالة”، وبينما لم تعلن واشنطن أن الحادثة تقف وراء سحب القاذفات، فإن وقوعها في محيط قاعدة تستخدم في العمليات ضد إيران يفرض إدخال العامل الأمني في قراءة القرار.
وهنا، ثمة فارق مهم بين أن تغادر القاذفات “فيرفورد” وأن تتراجع الولايات المتحدة عن استخدام القاعدة، الأول قد يكون إجراءً لتقليل تعرض الطائرات للخطر، أما الثاني فيتطلب مؤشرات أوسع، اذ إن قاذفات “بي-1” تمثل أصولاً عسكرية مرتفعة القيمة، ووجودها في منشأة معروفة بارتباطها بالعمليات ضد إيران يجعل موقعها مكشوفاً أمام المراقبة والاستهداف، لذلك فإن إعادتها إلى الولايات المتحدة يمكن أن تمنح القيادة الأميركية مرونة أكبر في تحديد مكان وزمان استخدامها، بدلاً من إبقائها بصورة دائمة في قاعدة باتت محط الأنظار.
خبراء في الشؤون الاستراتيجية رأوا أن هناك أيضاً بعداً يتعلق بطريقة إدارة القوة الجوية الأميركية، فتوزيع الطائرات على أكثر من موقع يقلل، وفق المصادر، احتمال خسارة عدد كبير منها في ضربة واحدة، ويصعّب على أي جهة تحديد مكان القوة الضاربة مسبقاً، وفي حال كانت واشنطن تتجه فعلاً إلى هذا الأسلوب، فقد لا تكون مغادرة “فيرفورد” سوى جزء من إعادة انتشار أوسع، لا تعني التخلي عن القدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وبالنسبة لبريطانيا فهي تواجه نتيجة مباشرة لهذا التطور، اذ إنها منحت واشنطن في آذار الماضي الإذن باستخدام “فيرفورد” في “عمليات دفاعية محددة تستهدف إيران”، وبذلك أصبحت القاعدة مرتبطة بصورة واضحة بالاستراتيجية الأميركية تجاه طهران، واستمرار هذا الدور يعني أن حماية المنشأة ومحيطها ستصبح جزءاً أكبر من الحسابات الأمنية البريطانية، ولاسيما إذا ظهرت محاولات جديدة لاستهداف القواعد أو تعطيل استخدامها.
بناء على ما سبق، تبدو الخطوة الأميركية أقرب إلى إدارة للمخاطر منها إلى تغيير في الموقف العسكري، فواشنطن لم تعلن التخلي عن “فيرفورد”، ولم تقل إن القاذفات خرجت من نطاق العمليات، بل أعادتها إلى قواعدها الاصلية في الولايات المتحدة، ويبقى التطور الأهم خلال المرحلة المقبلة في طبيعة الانتشار الذي ستختاره واشنطن بين عودة القاذفات إلى بريطانيا بعد تراجع المخاطر، واعتماد نمط يجعل من الصعب معرفة أين ستظهر القوة الجوية الأميركية في الضربة التالية.
أسرة التحرير









