تعكس زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية “كايا كالاس” إلى دمشق، وعقدها مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، انتقال العلاقات السورية- الأوروبية من مرحلة الإشارات السياسية إلى اختبار إمكانية بناء شراكة ذات مضمون سياسي واقتصادي وأمني.
فالزيارة تأتي بعد سلسلة خطوات أوروبية متدرجة تجاه سوريا، شملت استعادة التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون الموقعة عام 1977، وإطلاق الحوار السياسي رفيع المستوى، ورفع قيود عن مؤسسات حكومية سورية، إلى جانب توسيع الدعم للتعافي وإعادة الإعمار.
وفي حديثها من دمشق، وصفت “كالاس” هذه الخطوات بأنها إشارات سياسية نحو إعادة تطبيع العلاقات، مؤكدة أن نجاح الانتقال في سوريا يهم أوروبا كثيراً.
وتحمل هذه العبارة دلالة تتجاوز الموقف السياسي المباشر، إذ تعكس انتقال النظرة الأوروبية إلى سوريا من كونها ملفاً للأزمة والمساعدات إلى دولة يرتبط استقرارها بمصالح أوروبية مباشرة، من الهجرة وأمن الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات والاتجار بالبشر، إلى التجارة والطاقة وأمن شرق المتوسط.
ومن هنا يأتي اهتمام أوروبا بدعم الاقتصاد والمؤسسات والبنية المصرفية وتمويل مشاريع البنية التحتية، إلى جانب تشجيع العودة الآمنة والكريمة للاجئين.
في المقابل، بدت دمشق حريصة على ألا تختزل الشراكة في بعدها الاقتصادي. فمطالبة الشيباني الاتحاد الأوروبي بموقف “حازم وحاسم” تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، والدعوة إلى إدراج الملف على جدول أعمال اللجنة السياسية والأمنية الأوروبية، تعكسان رغبة سورية في أن تشمل الشراكة القضايا السيادية والأمنية، لا أن تقتصر على إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد “كالاس” ضرورة احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أهمية سياسية، وإن كان لا يرقى إلى كامل الموقف الذي تطالب به دمشق. فالمسألة لا تتعلق فقط بموقف من التطورات على الحدود الجنوبية، بل باختبار قدرة العلاقة السورية- الأوروبية الجديدة على التعامل مع الملفات الإقليمية الخلافية.
أما الأبعد مدى في حديث الشيباني، فيتمثل في طرح اتفاق شراكة جديد يخلف اتفاق عام 1977، والسعي إلى إدراج سوريا ضمن الإطار المالي الأوروبي للفترة 2028–2034.
فإذا انتقلت هذه الطروحات إلى مسارات تنفيذية، فإنها ستنقل العلاقة من إدارة ملفات متفرقة إلى بناء إطار مؤسسي طويل الأمد، يجعل الاستثمار وإعادة الإعمار والتعاون السياسي جزءاً من علاقة أكثر استقراراً.
لذلك، فإن زيارة “كالاس” يمكن قراءتها بوصفها محطة في إعادة تموضع سوريا داخل الحسابات الأوروبية، وفي الوقت نفسه اختباراً لقدرة الطرفين على تحويل الانفتاح السياسي إلى مصالح متبادلة.
أوروبا تريد سوريا مستقرة وقادرة على استعادة مؤسساتها واقتصادها، ودمشق تريد أوروبا شريكاً في التعافي والاستثمار، وحاضراً سياسياً في القضايا التي تمس سيادتها وأمنها.
وبين هذين المسارين ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة: تطبيع تدريجي للعلاقات، وشراكة استراتيجية تتجاوز لغة الدعم إلى بناء المصالح.
أسرة التحرير








