تشهد مدينة الحسكة لليوم الثاني على التوالي توتراً أمنياً، نتيجة قيام عناصر خارجة عن القانون بإثارة حالة من الفوضى غير المبررة، من خلال اعتدائها على عدد من المباني الحكومية ودور العلم بذرائع وحجج واهية من شأنها افتعال التصعيد والإساءة إلى رمزية المؤسسات الرسمية بالمحافظة وتعطيلها عن عملها وإهانة الموظفين والمراجعين.
ورصدت “الوطن” يوم أمس واليوم الأربعاء، اقتحام عشرات من العناصر الخارجة عن القانون، لمبنى مديرية التربية والتعليم في مدينة الحسكة، وقيامها بتحطيم النوافذ والأثاث المكتبي وأبواب غرف الموظفين بما فيها مكتب معاون مدير التربية والتعليم، وشتم الموظفين وتوجيه كلمات نابية وعنصرية لهم بقصد هدم السلم الأهلي وتهديد التماسك المجتمعي.
وخلال اقتحامهم لمبنى مديرية التربية والتعليم، قامت تلك العناصر بمحاصرة الموظفين والمراجعين داخل المكاتب، وإهانة وشتم إحدى الموظفات ومحاولة التعدي عليها، وتوجيه كلمات مشينة لها، إضافة إلى محاولتهم اقتحام مبنى المحافظة، بغرض العبث بمحتوياته، وسط ترديدهم هتافات وشتائم عنصرية بحق الرموز والمقامات السيادية في الدولة، قبل أن تقوم عناصر الحماية الأمنية بمنعهم من الدخول إلى المكان وتأمين حمايته.
وأفاد معلمون وطلاب في عدد من المدارس بتعرضهم لاعتداءات من قبل عناصر وصفوهم بالمنفلتين والخارجين عن القانون، في ظل غياب أي إجراءات قانونية من شأنها ضمان سلامتهم وحماية المؤسسات التعليمية، داعين جميع المعلمين في الجزيرة السورية إلى إعلان الإضراب العام عن العمل، احتجاجاً على هذه الاعتداءات، وتحميل وزير التربية والتعليم، ومديرية التربية بالحسكة كامل المسؤولية عن حمايتهم وحماية الطلاب وضمان سلامتهم في ظل تلك الممارسات التي ترتكب بحقهم.
وشدد أولياء أمور، أن الاعتداء على المدارس ودور العلم، وبث الذعر وترهيب المعلمين والطلاب، ليس وسيلة للمطالبة بالحقوق غير المشروعة والمتناقضة مع تعاميم وزارة التربية والتعليم المستندة إلى المرسوم الرئاسي رقم 13، بشأن ساعات تدريس اللغة الكردية في المدارس بواقع 3 ساعات أسبوعياً في المناطق ذات الخصوصية الكردية، مؤكدين أنه لا يجوز فرض المطالب بالقوة وترويع المدنيين دون وجه حق.
وأكد ناشطون وحقوقيون على صفحاتهم في موقع “فيسبوك”، أن الوضع في محافظة الحسكة بات “مهزلة حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة”، وقالوا: “رغم التنازلات الكبيرة التي قُدّمت لميليشيا “قسد” المنحلة، إلا أنهم لا يزالون متمسكين بالنهج والغطرسة نفسهما، ولذلك نقول: “لقد بلغت القلوب الحناجر، والرد القادم كفيل بإنهاء المهزلة”.
وشددوا على أن ما تقوم به تلك العناصر الخارجة عن القانون يتناقض مع ما نص عليه اتفاق الاندماج الذي وقعته الحكومة مع “قسد” أواخر كانون الثاني الماضي، وذلك بعد إقدام تلك العناصر، على اقتحام ومهاجمة مدرسة “حسان بن ثابت” في بلدة القحطانية بريف القامشلي الشرقي، وقيامهم بتكسير أبوابها وتحطيم نوافذها والمقاعد الدراسية والعبث بالمستندات الورقية الخاصة بالطلاب وبالكادر الإداري، ما تسبب بحالة من الذعر والخوف بين الطلاب والكوادر التدريسية، وذلك على إثر توزيع المدرسة كتب المنهاج الرسمي الحكومي المعتمد لدى وزارة التربية والتعليم السورية، ما أدى إلى هروب عدد من المدرسين وترك الطلاب داخل المدرسة، وسط حالة من الخوف والهلع والفوضى.
وشهدت “الوطن” اليوم الأربعاء، تجمعاً لعدد من الطلاب الأكراد أمام مبنى مديرية التربية والتعليم في مدينة الحسكة، شاركهم فيه مجموعات ملثمة خارجة عن القانون، وعناصر تابعة لـ “قسد” المنحلة، رُفعت فيه شعارات رافضة للغة العربية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء هذه التحركات، التي رفع فيه المتجمّعون في المكان أعلام حزب العمال الكردستاني المدرج على قائمة الإرهاب الدولية، وسط غياب واضح لأعلام الجمهورية العربية السورية.
وبيّن عدد من الموظفين في المباني الحكومية، والمارة في الشارع المحاذي لمكان التجمع، أن هذه المشاهد تثير استياء شريحة واسعة من أبناء المحافظة الذين يرون أن اللغة العربية جزء أساسي من الهوية الوطنية السورية، وأن الاعتراض على المناهج التعليمية لا ينبغي أن يتحول إلى استهداف للغة مكوّن رئيسي من مكونات المجتمع السوري، أو إلى وسيلة لتعميق الانقسام بين أبناء البلد الواحد، والذي بدوره سيؤدي إلى خلق شرخ واسع واستفزاز غير مبرر سينتهي حكماً إلى هدم السلم الأهلي وتقويض سبل الاندماج الحكومي، وخلق الفوضى وزعزعة البنيان المجتمعي.
وبين ناشطون أن ما يجري اليوم في محافظة الحسكة، يثير تساؤلات عدة ويكشف التناقض في المواقف السابقة، إذ كانت الكثير من الأسر ترسل أبناءها إلى مدارس الحكومة السورية خلال سنوات فترة حكم النظام البائد رغم اعتماد ما تسمى “الإدارة الذاتية” السابقة، مناهج تعليمية خاصة بها، وهو ما يستدعي توضيح الأسباب التي تقف وراء تحركات اليوم، مشيرين إلى أن الحسكة محافظة متعددة المكونات، وتضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والشركس والأرمن وسواهم من المكونات، وتشكّل اللغة العربية، اللغة الرسمية في البلاد وفي الحياة العامة ووسيلة التفاهم والتواصل بين مختلف أبنائها، ومن هنا، فإن الحفاظ على اللغة العربية لا يعني الانتقاص من حقوق أي مكوّن آخر في لغته وثقافته.
وأشاروا إلى أنه في ظل التحولات التي تشهدها سوريا، وتراجع نفوذ “قسد” المنحلة في مناطق واسعة، والمطالبات المتكررة بإنهاء حالة الانقسام وتوحيد المؤسسات تحت سلطة الدولة، تبرز أهمية تجاوز المشاريع التي تعمّق الانفصال، والعمل على بناء مستقبل مشترك لجميع السوريين، موضحين أن مستقبل الحسكة وأبنائها لا ينبغي أن يكون رهينة للصراعات السياسية أو التجاذبات التنظيمية، كما لا يجوز استخدام الطلاب وقضايا التعليم وسيلة لفرض توجهات سياسية أو أيديولوجية، لأن اللغة العربية ليست سبباً للانقسام، بل هي جزء من هوية سوريا، واحترام لغات جميع المكونات وثقافاتها يجب أن يكون أساساً لوحدة البلاد، لا مدخلاً لتفكيكها.
وفي سياق متصل، لا تزال عدد من الصفحات المضللة التي يديرها نشطاء يتبعون لـ”قسد” المنحل، تواصل عمليات التحريض والتضليل وفبركة الأخبار الكاذبة، لنشر الفتنة ودفع المحتجين إلى رشق عناصر الأمن الداخلي الموجودين لتأدية مهامهم الرسمية في محيط المباني الحكومية والمؤسسات الرسمية لحمايتها من أعمال الشغب والفوضى والاعتداءات والانتهاكات غير المبررة، ما أدى إلى إصابة عدد من العناصر بجروح، نُقلوا على إثرها إلى المشافي لتلقي العلاج.









