لم يكن مسبح مدينة الفيحاء في دمشق مجرد منشأة رياضية عادية، بل شكّل لعقود طويلة أحد أهم المعالم الرياضية في العاصمة، وذاكرة جماعية لأجيال من الرياضيين والشباب، بمساحته الواسعة، وأسعاره المقبولة، ومرافقه المتعددة، تحوّل إلى مقصد يومي لمختلف شرائح المجتمع، واحتضن تدريبات المنتخبات الوطنية للسباحة، فكان بحق القلب النابض لهذه الرياضة في سورية.
لكن هذا الصرح الذي ولد ليكون مساحة للحياة والصحة والإنجاز، تعرّض لاحقاً لما يمكن وصفه بأحد أكثر نماذج الإهمال والفساد فداحة في تاريخ المنشآت الرياضية، إلى حدٍّ يجعله بسخرية موجعة مؤهلًا لدخول سجل غينيس لا كمنشأة نموذجية، بل كرمز للخراب الممنهج.
من صرح وطني إلى مكبّ بداية الانهيار
مع انطلاق الثورة السورية، وما رافقها من تفكك إداري وتغلغل الفساد في مفاصل الرياضة، بدأ مسبح الفيحاء رحلة انحداره القاسية. اقتُطع جزء كبير من أرضه، وحوِّل إلى ما سُمّي حينها بحيرة خمس نجوم، وُضعت تحت إدارة أحد المقرّبين من قمة الهرم الرياضي، بينما تُرك المسبح الأم ينهار ببطء.
مرافق مهملة، تجهيزات مدمّرة، بيئة طاردة، وصورة لا تليق أبداً بتاريخ منشأة كانت يوماً عنواناً للرياضة الجماهيرية في دمشق. أما محاولات الترميم التي رُوّج لها في عهد الاتحاد الرياضي السابق، فلم تتجاوز بحسب روّاد المسبح والعاملين فيه حدود الاستعراض الإعلامي الفارغ، في مشهد أقرب إلى مسرحية عنوانها: (شاهد ما شفش حاجة).
كانت المصالح الشخصية هي اللاعب الأول، بينما لعبت الأيدي الخفية دورها بإتقان من تحت الطاولة، فعودة المسبح إلى حضن الجمهور كانت تعني خسائر مباشرة للمستثمر المدلل، الذي تصرّف لسنوات وكأنه المالك الفعلي للمنشأة، لا مجرد مستثمر مؤقت.
ما رواه رياضيون وإداريون عن حال المسبح لم يكن مبالغة ولا خيالاً، بل صورة حقيقية لفساد ضرب واحداً من أهم الصروح الرياضية في العاصمة.
شمس الحرية تقلب المعادلة
طوال سنوات، كان إصلاح مسبح الفيحاء يُصنَّف ضمن خانة المستحيل، بحجج جاهزة من قبيل: ضيق ذات اليد وشح الإمكانات. لكن مع سقوط منظومة الفساد، وإشراقة عهد جديد، تغيّرت المعادلة بالكامل.
وزارة الرياضة والشباب رفعت شعاراً واضحاً لا لبس فيه: الرياضة حقّ وليست مكرمة، وعدالة الملاعب جزء من عدالة الوطن.
وانطلقت عملية إعادة الاعتبار للمنشآت الرياضية من جذورها، ليكون مسبح الفيحاء في صدارة الأولويات، بوصفه رمزاً لما يجب إصلاحه، وما لا يجوز تكراره.
عقد استثماري يعيد الحياة: الفيحاء ينبض من جديد
في هذا السياق، تواصلت الوطن أون لاين مع مسؤول المنشآت الرياضية في وزارة الرياضة والشباب، المغيرة حاج قدور، الذي أكد أن الوزارة وضعت ملف مسبح الفيحاء في مقدمة أجندتها، وقال:
بعد الكشف على المسبح من لجنة فنية متخصصة، تم إعداد دفتر شروط صارم للاستثمار، يضمن حقوق الدولة والرياضيين معاً، نجحنا في توقيع عقد استثماري بقيمة 62 ألف دولار سنوياً، ولمدة عشر سنوات، مع إلزام المستثمر بدعم منتخباتنا الوطنية عبر تدريبات مجانية.
وأضاف: مسبح الفيحاء سيعود لعشاقه ومحبيه مع بداية صيف 2026، وبأسعار مدروسة ومناسبة لجميع فئات المجتمع.
المستثمر الجديد: أكثر من مليون دولار لإحياء منشأة مدمّرة
من جهته، أوضح المستثمر إبراهيم مصطو الحاصل أيضاً على استثمار مسبح السيدات، أنه دخل المزاد بعد فشل محاولتين سابقتين، مشيراً إلى أن المشروع ليس سهلاً وربحه ليس سريعاً.
وقال: المسبح يضم قسماً شتوياً سيتم تطويره بإضافة كافيه، وصالة جيم، وملعب كرة سلة، حتى لو وصلت بطاقة الدخول إلى 100 ألف ليرة، قد لا تغطي التكاليف الحقيقية، فحجم العمل المطلوب ضخم جداً.
أما عن مسبح الرجال، فكانت الصورة أكثر قتامة: ما وجدناه كان دماراً كاملاً. لا شيء يوحي بأن هذا المكان كان يوماً معلماً رياضياً، فإعادة إحيائه تحتاج إلى أكثر من مليون دولار.
ويؤكد المصطو: نعمل بالتعاون مع الوزارة لإيجاد حل منطقي. من غير المعقول أن نستثمر مليون دولار، ثم نُحرم من أجزاء أساسية من المسبح. هدفنا منشأة نموذجية تخدم الجميع، تضم مطاعم وكافيهات، وغرفاً زجاجية للشتاء، إضافة إلى فرق إنقاذ وطواقم طبية متخصصة.
ويختم بالقول: بدأنا العمل منذ أيام قليلة، وسيفتح المسبح أبوابه أمام الجمهور في الصيف القادم.






