تعجّ السّاحة الفنّية بمغنيين ومؤديّ أغنيات، وعارضي وعارضات أزياء، كلّهم يُنعتون بـ”الفنان” و”المطرب”، على حين أنّ مضمون ما يؤدون لا يمت إلى الطرب أو الفن بصلة، ولن ندخل في تفاصيل الكلمة واللحن وقوة الصوت والثقافة، كما أننا لن ندخل في كيفية وصول بعض هؤلاء إلى لجان تحكيم وتقييم لأصوات أقوى من أصواتهم بكثير، ونقصد هنا البرامج الموجّهة إلى الكبار والصغار على حدّ سواء، لكن ما سنتحدث عنه هو النقد الفني وتأثيره في الذائقة الفنية للجمهور.
وفي الحديث عن تردي الذائقة الفنية، قال الموسيقي السوري عزت أحمد عبد العزيز لـ”الوطن”: “مستوى الذوق الفني أصبح في القاع، والذوق والرقي والأخلاق نجدها كلها في شخص، وهؤلاء أصبحوا قلة قليلة والواقع السوري أكبر مثال، والأسباب كثيرة، منها الإعلام الثري الذي بسط سيطرته على القنوات الفضائية والمدارس والمعاهد الموسيقية، وحتى نقابة الفنانين مسؤولة عن هذا الانحدار.. للأسف لم يعد النقد الفني مؤثراً، وما هو مؤثر الإعلام الذي يفرض ويروّج ما يجده مناسباً لمشاريعه التجارية، لأن الفن أصبح تجارة، والتسويق يحتاج إلى المال حتى لو كان في صفحات التواصل الاجتماعي واليوتيوب، لكن فقط الفضائح والعري والتفاهة لا تحتاج إلى تسويق”.
إذاً تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في الترويج للرديء على حساب الجيد، وأوضح الإعلامي جورج درويش: “لم يعد النقد الفني قادراً على التأثير بأي شيء، وذلك بسبب كثرة النقاد التي “خرّبت الدنيا”، واليوم، من يملك القدرة على النقد أو من لا يملكها يستطيع نشر رأيه على وسائل التواصل الاجتماعي، والمشكلة أن الذين يحققون شهرة أشخاص لا علاقة لهم بالنقد وينتقدون وفق ولاءاتهم الشخصية، لذا لم يعد للنقد الفني قيمة أو أثر، فبعض الأشخاص لا يفهم ما يحدث وينساق بسرعة، ربما يؤثر النقد في النخب”.

ونوه درويش بأمر مهم ألا وهو غياب خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية ـ قسم النقد، وتساءل: “أين هم.. لماذا هم غير فاعلين؟ ولماذا لا يستلمون زمام الأمور؟ لماذا لا ينتقدون؟ لماذا يتركون الساحة لمن لا علاقة له بالنقد؟ لذلك بشكل عام أرى لا قيمة للنقد الفني”.
أمام هذا الواقع لابدّ من إعادة توجيه البوصلة وتحديد الأهداف والعمل على تحقيقها فيما يخص النقد الفني، وأوضح الأديب الدكتور عبد الله الشاهر: “السؤال عن تأثير النقد الفني في الذائقة العامة سؤال كبير والإجابة عنه تفتح مغاليق كان يجب أن تفتح منذ زمن، ذلك أن النقد بكل أشكاله إن كان أدبياً أم فنياً أم تشكيلياً هو عمل يؤدي إلى ازدهار المجتمع وتطوره، فكل محاولات التحديث وكل جهود التنمية وكل نشاطات التعليم والإعلام والتثقيف تبقى عاجزة ما لم تكن مصحوبة بالنقد، ولكي يتحقق ذلك نحتاج إلى رؤية نقدية جديدة في ضوء النظريات الحديثة، وهذا يحتم علينا أن ننظر إلى النقد بنظرة مستقبلية تسهم في بلورة الوعي الفكري الإبداعي والثقافي عموماً في ظل العولمة الثقافية، وهنا لكي يكون النقد مؤثراً في الذائقة العامة لا بد من أن يبتعد عن التنظير، فالنقد غير التنظير، فهو ليس إسقاط المناهج والمفاهيم على النص ولا تكرار المصطلحات النقدية.. النقد هو القدرة على محاورة النصوص من مسافة الكتابة ومنحها حياة جديدة.. حياة سابقة لزمنها وتواقة إلى المستقبل”.
وأضاف: “نستشعر اليوم أهمية النقد في حياتنا، ويمكن القول: إن النقد يستطيع إعادة الذائقة العامة، وهنا ومن صميم معركة المعرفة التي تجتاحنا ألا يحق لنا أن نراجع ذاتنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وأن يكون النقد الوسيلة إلى ذلك وأن نزيل من حياتنا مفاهيم التلقي والقبول من دون مساءلة؟.. فالحرمان من الفكر النقدي يعني استمرار الوثوق الأعمى وهيمنة المسلّمات وجمود الأفكار وهذا يعني الحرمان من التطور الحضاري.. والنقد الفني هو تقييم أي عمل فني وإن كان من المعروف أن الذوق الفني شيء نسبي، وفي الواقع لابد من النقد في حياتنا ومؤسساتنا وأفكارنا وتطلعاتنا لكي تستقيم الحياة عندنا”.
الوطن ـ نجوى صليبه








