يدخل قطاع النشر في سوريا مرحلة جديدة تتقاطع مع ما تعيشه البلاد من تحولات عديدة، ومنها تحولات في المجال الثقافي، في ظل التطور التقني والضغوط الاقتصادية، بينما يبرز سؤال أساسي عن قدرة دور النشر على استعادة دورها في صناعة الكتاب، بعيداً من الاقتصار على مهام الطباعة والتوزيع.
وفي هذا الجانب يؤكد هيثم الحافظ صاحب “دار الحافظ” للنشر في تصريح لـ”الوطن”، أن دار النشر ليست مطبعة فقط، بل شريك في صناعة الكتاب، مشدداً على أهمية القراءة الأولية والتقييم والمراجعة والتدقيق وتحديد احتياجات كل مخطوط قبل نشره.
ويرفض الحافظ تعميم فكرة أن غياب التحرير الأدبي الشامل يعني بالضرورة تجاهل دور النشر لهذه المرحلة، موضحاً أن المعالجة تختلف من كتاب إلى آخر، فقد يكون النص الأدبي ناضجاً ويحتاج إلى تدقيق فقط، بينما يحتاج نص آخر إلى ملاحظات تحريرية أوسع تتم مناقشتها مع المؤلف.
ويرى أن تجاوز القراءة والتقييم والتدقيق والانتقال مباشرة إلى الطباعة يمثل ممارسة مهنية سلبية، لما لها من انعكاس مباشر على جودة الكتاب وسمعة دار النشر وثقة القارئ.
وفي ملف الرقابة، يشير أيمن الغزالي صاحب “دار نينوى” للنشر إلى أن الرقيب في سوريا بات أقل تدخلاً في النص الإبداعي، لكنه يرى أن آثار العقود الماضية لا تزال حاضرة من خلال ما وصفه بـ”الرقابة الذاتية” التي ترسخت لدى الكاتب والمجتمع.
ويعتبر الغزالي في تصريح لـ”الوطن” أن تجاوز هذا الأثر يحتاج إلى بناء ثقة جديدة بين الكاتب والقارئ والناشر والجهات المعنية بالرقابة، معتبراً أن تحرير العملية الإبداعية من الخوف الداخلي يمثل تحدياً لا يقل أهمية عن رفع القيود المباشرة على النشر.
بينما يبدي الغزالي موقفاً متحفظاً تجاه توسع الذكاء الاصطناعي في المجال الإبداعي، معتبراً أن الكتابة والإبداع يرتبطان بالعقل البشري ولا يمكن للتقنيات الحديثة أن تحل محلهما، داعياً إلى وضع تشريعات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإبداعي.
في المقابل، يقدّم عبد الحميد غوثاتي صاحب “دار الغوثاني” للنشر والدراسات القرآنية رؤية مختلفة لدور الذكاء الاصطناعي، إذ يعتبره أداة مساعدة يمكن أن تسهم في تسريع الأبحاث، ولاسيما في المجالات العلمية والاجتماعية والشرعية، مؤكداً في الوقت نفسه أن حضور التقنية لا يعني بالضرورة تراجع مكانة الكتاب الورقي.
ويرى غوثاتي أن التحول الرقمي أصبح جزءاً من حركة النشر الحديثة، مع اتجاه دور النشر إلى إنشاء مواقع للبيع الإلكتروني وإتاحة الكتب الرقمية، معتبراً أن هذه الأدوات يمكن أن توسع مساحة وصول الكتاب إلى القارئ.
وبين التحفظ على دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال الإبداعي، والنظر إليه بوصفه أداة مساعدة، تبدو صناعة النشر أمام تحول لن يقتصر على شكل الكتاب، بل سيمتد إلى طريقة إنتاجه وتسويقه وتلقيه.









