لم تعد شوارع أوروبا بمنأى عن تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، إذ تجددت موجة جديدة من الاحتجاجات والإضرابات، تمتد من فرنسا إلى ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، مدفوعة بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، في مشهد تتداخل فيه المطالب الاجتماعية مع التوترات السياسية والمخاوف الأمنية.
ومع حلول عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة من تشرين الأول، بدت المدن الأوروبية أمام اختبار جديد، بعدما تحولت الاحتجاجات التي تقودها قطاعات شبابية ونقابية إلى تحركات واسعة، تخللت بعضها مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، بالتزامن مع احتفالات الهالوين وما تحمله من مخاوف بشأن استغلال الأقنعة والتجمعات الليلية لإخفاء هوية مثيري الشغب.
وفي فرنسا، تصدرت الاحتجاجات المشهد الأوروبي، مع خروج مئات الآلاف في ثالث موجة من التظاهرات خلال الشهر الماضي، احتجاجاً على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وسط انتشار أمني واسع شمل نحو 70 ألف عنصر من الشرطة والدرك.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة نحو 320 ألف شخص في التظاهرات التي شهدتها البلاد السبت، بينهم 70 ألفاً في باريس، فيما رفعت الجهات المنظمة تقديراتها إلى نحو 500 ألف متظاهر، في تباين يعكس اتساع الحراك وصعوبة تحديد حجمه بدقة.
ورغم الطابع السلمي الذي غلب على المسيرات في معظم المناطق، شهدت باريس ومدن أخرى، بينها مرسيليا وليون وغرونوبل، مواجهات بين الشرطة ومجموعات من مثيري الشغب، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع، فيما ألقى متظاهرون مقذوفات وعبوات حارقة باتجاه عناصرها.
وأعلنت النيابة العامة الفرنسية فتح تحقيق بتهمة محاولة القتل، إثر إلقاء زجاجة حارقة باتجاه قوات الأمن في باريس، في حين أفادت تقارير إعلامية بتوقيف أكثر من 500 شخص خلال التحركات الاحتجاجية.
وتتزامن هذه التطورات مع نقاشات موازنة عام 2027، وسط ضغوط حكومية لخفض الإنفاق العام والسيطرة على الدين، في وقت تتسع فيه مطالب المحتجين لتشمل تحسين الأجور والخدمات العامة وخفض تكاليف الوقود والسكن.
وفي ألمانيا، امتدت التحركات إلى عشرات المدن، بعدما دعت حركة “جيل زد يتولى الأمر” إلى تظاهرات في 34 مدينة، احتجاجاً على التجنيد الإجباري وارتفاع تكاليف المعيشة، وللمطالبة بزيادة الاستثمارات في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ومكافحة تغير المناخ.
وبينما شدد المنظمون على سلمية التحركات، شهدت فرانكفورت مواجهات عنيفة عقب تفريق تظاهرة شبابية، إذ حطم ملثمون واجهات متاجر ونهبوا بضائع، وألقوا زجاجات حارقة ومفرقعات باتجاه قوات الأمن، التي استخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع.
وفي المقابل، اتسمت التظاهرات في مدن ألمانية أخرى بطابع سلمي إلى حد كبير، ما يعكس التباين بين المطالب الاجتماعية للحراك ومحاولات بعض المجموعات توظيفه في أعمال العنف.
أما في إيطاليا، فقد سبقت الاحتجاجات الحالية موجة من الاضطرابات في ميلانو، تخللتها أعمال نهب ومواجهات مع الشرطة، إلى جانب تحركات طلابية وإضرابات في قطاعات مختلفة، وسط تصاعد الغضب من ارتفاع أسعار الطاقة والسكن وتراجع الخدمات العامة.
وفي إسبانيا، تتواصل التحركات المرتبطة بأزمة السكن وارتفاع الإيجارات، بالتوازي مع احتجاجات وإضرابات في قطاع التعليم، في وقت تستعد فيه النقابات لتصعيد تحركاتها خلال تشرين الثاني.
وتكشف هذه التحركات، على اختلاف دوافعها وحدتها، عن اتساع الفجوة بين الأعباء اليومية التي تواجهها شرائح واسعة من الأوروبيين والسياسات الحكومية في التعامل معها، فيما باتت قضايا السكن والتعليم والأجور والخدمات العامة محوراً رئيسياً في النقاش السياسي والاجتماعي.
وبينما تسعى السلطات إلى احتواء الاضطرابات ومنع تحول الاحتجاجات إلى أعمال تخريب، تظل الشوارع الأوروبية مرآة لغضب اجتماعي يتجاوز حدود دولة واحدة، ويطرح تساؤلات بشأن قدرة الحكومات على معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها الأمنية.
أسرة التحرير








