المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من غوطة دمشق إلى العالم.. “الموزاييك” حرفة تراثية تواجه خطر الاندثار

‫شارك على:‬
20

من بين الحرف التي ارتبط اسمها بمدينة دمشق، يبرز “الموزاييك الدمشقي” بما يحمله من تفاصيل دقيقة وأشكال هندسية تجمع أنواعاً مختلفة من الخشب والصدف، وهي حرفة قديمة ما زال عدد من الحرفيين يعملون بها حتى اليوم، رغم تراجع أعداد العاملين فيها وقلة الشباب المقبلين على تعلمها.

أوضح الحرفي فؤاد عربش في تصريح لـ”الوطن” أن “الموزاييك” حرفة دمشقية ابتكرها أهالي المدينة، مشيراً إلى أن “جرجي البيطار” كان من أوائل الذين عملوا بها عام 1680، ذاكراً أن “الموزاييك” يعتمد على أخشاب طبيعية كانت متوافرة في “غوطة دمشق”، منها الجوز والزيتون والليمون والكينا والمشمش والخوخ، وقد ساعد قرب هذه الأخشاب من دمشق وتوافرها بأسعار مقبولة على انتشار المهنة واستمرارها، إلى جانب استخدام الأصداف البحرية في تزيين القطع.

وأشار عربش إلى أن “الموزاييك الدمشقي” يتميز بطريقة صناعته وزخارفه، وهذه الحرفة لا تزال مرتبطة بسوريا بشكل خاص، مضيفاً أن من أهداف العاملين فيها اليوم تعريف الناس بتراثها وتاريخها، وتشجيع جيل جديد على تعلمها حتى لا تختفي مع مرور الوقت.

واستذكر عربش السنوات الماضية التي لم تكن سهلة على المهنة، إذ فقدت الكثير من حرفييها، بينما أصبح الإقبال على تعلمها محدوداً، مؤكداً أن “الموزاييك” من الحرف التراثية النادرة، وأن عدد الذين ما زالوا يمارسونها قليل مقارنة بما كانت عليه في السابق.

لكنه شدد في الوقت نفسه، على أن العمل في المهنة يمكن أن يكون مجدياً من الناحية المادية، وخصوصاً مع تحسن الحركة السياحية وعودة الزوار من خارج البلاد، مستعيداً مشهداً كان مألوفاً في دمشق، إذ كان الزائر يحرص على شراء قطعة من الموزاييك والعودة بها إلى بلده، ولاسيما أن صغر حجم القطع يساعد على ذلك، على اعتبار أنها مصنوعة يدوياً ويمكن حملها بسهولة، كما أن قيمتها لا ترتبط بشكلها فقط، وإنما بالوقت والمهارة اللذين يحتاجهما الحرفي لإنجازها.

وأضاف: “تأثرت المهنة أيضاً بالظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية، ولا سيما أن عدداً من ورشاتها كان في مناطق غوطة دمشق الشرقية، بينها زملكا وعربين وحرستا وسقبا، كما أن الظروف المعيشية والأمنية دفعت عدداً من أصحاب الورش والمتاجر إلى إغلاق أعمالهم، فيما ابتعد آخرون عن المهنة أو غادروا البلاد، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على استمرار الحرفة ونقل خبراتها.

ورأى عربش أن إعادة تنشيط “الموزاييك” يحتاج إلى تعاون بين الحرفيين والجهات الحكومية والهيئات المعنية بالحرف والتراث، حتى تستعيد المهنة حضورها وتجد طريقها من جديد إلى الأسواق.

وفي هذا الإطار، بيّن أن مؤسسة “حلم دمشق” التي يديرها تطلق بين فترة وأخرى دورات مجانية لتعليم عدد من الحرف والمهن التراثية السورية، في محاولة لإيصال هذه الخبرات إلى الشباب، والحفاظ عليها من الضياع.

ويعتقد عربش أن المشكلة لا تكمن فقط في تعليم المهنة، بل في العثور على أشخاص لديهم الرغبة والصبر للاستمرار فيها، فالموزاييك يحتاج إلى وقت طويل لإنجاز القطعة، كما أن عملية البيع والتسويق ليست سهلة، موضحاً أن كثيراً من الشباب قد يترددون في دخول هذا المجال لأنهم يريدون مهنة تعطي نتائج أسرع، لكن الوصول إلى شاب واحد من بين كل مجموعة يتعلم المهنة ويقرر الاستمرار بها، يمكن أن يكون بحد ذاته مكسباً مهماً.

بالحديث مراحل صناعة “الموزاييك”، كشف أن صناعته تبدأ برسم التصميم المطلوب على لوح خشبي، ثم تجهيز قطع الخشب وقصها باستخدام المنشار الكهربائي، ويشترط أن تكون القضبان متساوية في الحجم، حتى يمكن ترتيبها إلى جانب بعضها وتشكيل التصميم الهندسي المطلوب، وبعد ذلك تُجمع العيدان وتُربط بخيط، ثم تُثبت بالغراء وتترك نحو يوم كامل حتى تتماسك وتصبح كتلة واحدة، تُقص هذه الكتلة بعد ذلك إلى شرائح رقيقة، ينتج عنها نحو 70 قشرة، وهي القشور التي تُعرف باسم “الموزاييك”، وتُلصق هذه الشرائح على القطع الخشبية باستخدام الغراء، وفق التصميم المحدد.

أما المرحلة الأخيرة فتتعلق بالصدف وفقاً لعربش، إذ تُحفر أماكن مخصصة له داخل القطعة، ثم يوضع الصدف البحري أو الصناعي فيها، وتُملأ الفراغات بمادة معجونية قبل بردها وصقلها حتى يصبح السطح ناعماً، خاتماً بأن القطعة النهائية تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تحمل وراءها مراحل طويلة من القص والترتيب والتثبيت والصقل، فضلاً عن خبرة الحرفي التي تتراكم مع سنوات العمل.