يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يفوّت فرصة لارتداء عباءة المنقذ، خصوصاً عندما تكون صناديق الاقتراع على مسافة أيام، وحين تصبح الأزمات الإقليمية مادة جاهزة للاستثمار السياسي، وإعادة تقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي بوصفه صاحب القرارات الحاسمة والقادر على تغيير الوقائع بالقوة العسكرية، لا بوصفه صاحب مشروع سياسي يبحث عن التعايش مع الجوار على قاعدة الاستقرار والسلام.
هذه المرة، اختار نتنياهو أحداث السويداء السورية عام 2025 ليكشف عن اتصال هاتفي قال إنه أجراه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، موحياً بأن مكالمة قصيرة وحاسمة كانت كفيلة بوقف الأحداث الدامية، وكأن الأزمات المعقدة التي تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والسياسية والأمنية يمكن اختصارها بـ”تلفون” بعيداً عن المسارات الدبلوماسية واحترام سيادة الدول، وما تتطلبه المصالحات الوطنية من جهود طويلة ومعالجات جذرية.
غير أن السؤال الذي يستحق المتابعة لا يتعلق فقط بصحة الرواية الإسرائيلية وتفاصيل الاتصال المعلن، بل بتوقيت الكشف عنه وطريقة تقديمه للجمهور، فهل أراد نتنياهو أن يشرح ما فعله من أجل الدروز، أم إنه وجد في القضية فرصة لإضافة رصيد انتخابي جديد إلى حساباته الداخلية، مستثمراً حساسية الملف الدرزي وصلاته الاجتماعية العابرة للحدود؟
الثابت أن أزمات المنطقة، بتشابكاتها التاريخية والسياسية، لا تُحل بمكالمة هاتفية ولا بالقوة العسكرية وحدها، كما أن التدخل الخارجي، مهما كانت مبرراته المعلنة، لا يشكل بديلاً من التفاهم الوطني وبناء مؤسسات الدولة، ومن هنا، تبدو محاولة تصوير حدث واحد بوصفه إنجازاً شخصياً حاسماً أقرب إلى صناعة رواية سياسية مبسطة، تتجاهل تعقيدات الواقع، وتختزل معاناة السكان في مشهد يصلح للاستهلاك الانتخابي.
والأخطر أن تتحول مأساة إنسانية، خلّفت ضحايا ونزوحاً وانقسامات اجتماعية، إلى بند إضافي في الدعاية الانتخابية، فالمسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي التعامل مع حماية المدنيين باعتبارها التزاماً قائماً على مبادئ القانون الدولي، وليس عنواناً دعائياً يستحضر عند الحاجة إلى أصوات الناخبين، ثم يغيب عندما تتراجع أهميته السياسية والإعلامية.
في هذا السياق، جاء الرد الحكومي السوري ليضع المسألة في إطار مختلف، إذ أكدت دمشق أن المكون الدرزي جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، رافضة إقحامه في الدعاية والانتخابات الإسرائيلية، ولم يقتصر الرد على الاعتراض السياسي، بل اتهمت الحكومة السورية إسرائيل بالاضطلاع بدور مخطط له في زعزعة السلم الأهلي بمحافظة السويداء، من خلال دعم جماعات مسلحة خارجة عن القانون، وفق ما جاء في بيان مصدر حكومي نقلته وكالة الأنباء السورية.
وأشار البيان إلى مواصلة العمل مع الولايات المتحدة والأردن لتنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الهادفة إلى إعادة الاستقرار للمحافظة، وضمان حقوق السكان وأمنهم، مع المطالبة باحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية السورية.
لكن أهمية الموقف السوري لم تقف عند حدود رفض التدخل الخارجي، بل ذهبت مسبقاً، لاستعادة الاستقرار في السويداء، ومعالجة الأسباب الداخلية التي جعلت المحافظة ساحة للتوتر، وفي مقدمتها حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وترميم الثقة بين مؤسسات الدولة والسكان، وضمان مشاركة جميع المكونات في الحياة الوطنية على أساس المواطنة المتساوية.
وبالعودة إلى تصريحات نتنياهو، تحضر المقولة العربية “لكل مقام مقال” وربما لكل جمهور انتخابي رواية تناسب اهتماماته، حسب سياسات اليمين الإسرائيلي، فلم يكن اختيار بلدة يركا، ذات الأغلبية الدرزية شمالي إسرائيل، مكاناً للإعلان عن الاتصال، تفصيلاً عابراً، فالمكان والجمهور والتوقيت عناصر تمنح التصريح أبعاداً انتخابية واضحة، وتفتح الباب أمام التساؤل عن الحدود الفاصلة بين الالتزامات الأمنية المعلنة ومحاولات توظيف الانتماءات الطائفية في المنافسة السياسية.
ولا يمكن تجاهل أن الدروز داخل إسرائيل يمثلون شريحة اجتماعية ذات خصوصية، ولها حضور في المؤسسة العسكرية والحياة العامة، لذلك، فإن مخاطبتهم عبر ملف السويداء قد تحمل رسالة تتجاوز الحدود السورية، عنوانها إظهار الحكومة الإسرائيلية بمظهر الحامي لأبناء الطائفة، وإن بقيت دوافع التصريح ونتائجه الانتخابية مسألة تحتاج إلى أدلة تتجاوز طبيعة الخطاب ومكان إلقائه.
الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول الجاري، ستشهد بالتأكيد، تنافساً سياسياً معقداً، وحسابات ائتلافية تتعلق بتأمين أغلبية 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، وفي مثل هذه الظروف، تصبح قضايا الأمن والعلاقات الإقليمية ومواقف الناخبين من أداء الحكومة عناصر حاضرة بقوة في الحملات الانتخابية.
غير أن استدعاء امتدادات الطوائف والمكونات الاجتماعية خارج الحدود لأغراض سياسية داخلية يثير إشكالية أوسع، تتعلق بإمكانية تحويل الانتماءات الدينية إلى مبررات للتدخل في شؤون الدول المجاورة، وهو مسار يحمل مخاطر إضافية على المجتمعات المتعددة، عندما تُقدَّم حمايتها باعتبارها مسؤولية خارجية بدلاً من ترسيخ حقوقها داخل أوطانها.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن حديث نتنياهو عن السويداء سيترجم إلى مكاسب انتخابية، لكن سياق الإعلان عنه يبرر التساؤل عن أهدافه السياسية، فالقضية الدرزية في سوريا أكبر من مكالمة هاتفية وأعمق من خطاب انتخابي، ومستقبل السويداء لن يتحدد من منصة دعائية في يركا، بل من قدرة السوريين على استعادة الثقة والسلم الأهلي، وبناء ضمانات وطنية تحول دون تكرار المأساة.
أما تحويل معاناة الناس إلى أوراق انتخابية، فقد يمنح السياسي عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه لا يقدم بالضرورة حلاً لأزمة، ولا يؤسس لاستقرار دائم، تريده المنطقة العربية وشعوبها بما فيها سورية وأهلها بجميع مكوناتهم، ولن تقبل الدول أن تتحول قضية إنسانية إلى مادة للمنافسة على أصوات الناخبين، فقد”يتوسع الرقع على الراقع” إذا ما امتد النهج اليميني.







