مع تزايد حالات الفساد التي يجري اكتشافها أو الحديث عنها خلال الفترة الأخيرة، تتجه الأنظار إلى أدوات جديدة يمكن أن تساعد في كشف المخالفات قبل توسعها، لا سيما مع اتساع حجم البيانات المالية والإدارية التي يصعب على الأساليب التقليدية تحليلها بالكامل. وفي هذا السياق، يطرح الذكاء الاصطناعي نفسه كأداة يمكن أن تساعد في الانتقال من ملاحقة الفساد بعد وقوعه إلى رصد مؤشراته في وقت مبكر.
وقال الدكتور مصعب الشبيب في تصريح لـ«الوطن»: إن الذكاء الاصطناعي يستطيع اكتشاف العلاقات والأنماط غير الطبيعية داخل كميات كبيرة من البيانات، ما يجعله أداة مساعدة مهمة لأجهزة الرقابة، وليس بديلاً عنها.
وأوضح أن من أبرز التطبيقات الممكنة تحليل المناقصات الحكومية، من خلال مقارنة أسعار العقود بالأسعار التاريخية والسوقية، ورصد تكرار فوز شركة معينة، أو التشابه غير المعتاد بين عروض الشركات، أو تقسيم مشروع كبير إلى عقود صغيرة لتجاوز حدود الصلاحيات. وهذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود فساد، لكنها توجه الجهات المختصة إلى الملفات التي تستحق التدقيق.
ويمكن استخدام التقنية أيضاً في الرواتب، عبر الربط بين بيانات الموظفين والدوام والتقاعد والوفيات، لكشف الموظفين الوهميين أو استمرار صرف رواتب بعد انتهاء الاستحقاق، إضافة إلى تحليل المشتريات والضرائب والجمارك لرصد الأسعار والكميات والعمليات غير المعتادة.
وأكد الشبيب أن تطبيق ذلك في سوريا ممكن تقنياً، لكنه يحتاج أولاً إلى رقمنة السجلات الحكومية، وربط قواعد البيانات بين المؤسسات، وتوحيد معايير تبادل المعلومات، وحماية البيانات، وتأهيل كوادر تجمع بين الخبرة التقنية والقانونية والرقابية.
الحل يبدأ بالبيانات
وخلص الشبيب إلى أن البداية العملية يمكن أن تكون بمشروعات محددة لتحليل المناقصات والمشتريات العامة، ثم توسيعها إلى الرواتب والضرائب والجمارك والإنفاق الحكومي، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي نظام إنذار مبكراً يضيّق مساحات الفساد ويسرّع اكتشاف المخالفات، من دون أن يتحول إلى جهة تصدر أحكاماً بدلاً من الجهات المختصة.





