ظهرت مقاطع فيديو مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر وزير الثقافة محمد ياسين صالح وهو يقبّل يد رجل كبير في السن، ما دعا الناس لتتساءل عن هوية هذا الرجل، وتبين أنه الخطاط السوري عثمان طه المدون اسمه في آخر صفحات كل نسخة من نسخ القرآن الكريم.
هو من الأسماء التي ارتبطت في الذاكرة العربية والإسلامية بفن الخط العربي وكتابة المصحف الشريف، وتحولت حروفه إلى جزء مألوف من تجربة ملايين القراء حول العالم، بعد أن ارتبط اسمه بصورة المصحف الذي يصدره مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة.
وُلد عثمان بن عبده بن حسين طه عام 1934 في ريف مدينة حلب، ونشأ في بيئة كان للعلم والقرآن واللغة العربية حضور أساسي فيها، وكان والده الشيخ عبده حسين طه إماماً وخطيباً وشيخاً للكتّاب، ومنه تلقى عثمان مبادئ الخط، قبل أن تتوسع تجربته على أيدي عدد من أبرز خطاطي حلب.
ولم يتوقف اهتمامه عند الموهبة الفنية، إذ درس في الكلية الشرعية بحلب، ثم انتقل إلى دمشق ليتابع دراسته الجامعية، فحصل على إجازة الشريعة الإسلامية في جامعة دمشق عام 1964، ثم دبلوم التربية عام 1965، وخلال وجوده في دمشق، واصل تطوير تجربته الخطية، والتقى الخطاط محمد بدوي الديراني، كما استفاد من لقاءاته بالخطاط العراقي هاشم محمد البغدادي.
شكّل خط النسخ المجال الأبرز في مسيرة عثمان طه، وخصوصاً بعد أن أخضعه لدراسة دقيقة من الناحية الفنية والوظيفية، محاولاً الوصول إلى كتابة تجمع بين جمال الحرف وسهولة القراءة ودقة الضبط، وحصل عام 1973 على إجازة في حسن الخط من شيخ الخطاطين حامد الآمدي، وهو ما مثّل محطة مهمة في مسيرته الفنية.
وفي عام 1970 كتب أول نسخة من المصحف الشريف لمصلحة وزارة الأوقاف السورية، قبل أن تنتقل تجربته لاحقاً إلى المملكة العربية السعودية، حيث عُيّن عام 1988 خطاطاً في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ليصبح اسمه مرتبطاً بمصاحف المدينة النبوية التي انتشرت على نطاق واسع في العالم الإسلامي.
وتشير المصادر السعودية إلى أنه خطّ المصحف الشريف بيده 12 مرة بالرسم العثماني وبمختلف الروايات خلال الفترة الممتدة بين عامي 1988 و2019، بينما تذكر مصادر أخرى أرقاماً أعلى تبعاً لطريقة احتساب النسخ والروايات.
لم يكن اهتمام عثمان طه بالشكل الجمالي للحروف منفصلاً عن وظيفتها في تسهيل القراءة، فقد عمل على تبسيط بناء الكلمات وتوزيعها داخل السطر، مع الحرص على أن تأتي الحركات في مواضعها بدقة، وأن تحافظ الصفحة على توازنها البصري، وهي خصائص أصبحت من السمات المميزة للطريقة التي عُرفت لاحقاً باسم خط عثمان طه.
ومن أبرز السمات المرتبطة بمصاحفه حرصه على أن تنتهي الآية في نهاية الصفحة، وهي طريقة أسهمت في جعل تقسيم الصفحات واضحاً ومألوفاً لدى شريحة واسعة من القراء، وأصبحت إحدى العلامات البصرية البارزة في مصحف المدينة.
ولم تتوقف تجربته عند الكتابة اليدوية، إذ امتد أثر أسلوبه إلى المجال الرقمي أيضاً، حيث طُوّرت خطوط إلكترونية مستندة إلى نماذج خطه، في محاولة للحفاظ على خصائص الحروف التي أصبحت مرتبطة باسمه.
وفي عام 2021 أعلنت المملكة العربية السعودية منحه جنسيتها، في خطوة ارتبطت بما قدمه من عمل في مجال كتابة المصحف الشريف.
وهكذا امتدت رحلة عثمان طه من قرية في ريف حلب إلى دمشق، ومنها إلى المدينة المنورة، حاملاً معه القلم العربي بوصفه أداة فنية وعلمية في آن واحد، وبينما تتغير وسائل الكتابة وتتوسع التقنيات الرقمية، بقيت صفحات المصاحف التي خطها شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ الخط العربي، وعلى تجربة خطاط جعل من دقة الحرف وتناسق الصفحة مشروع عمر طويلاً.

مصعب أيوب
الوطن -
مواضيع:
المزيد
اخترنا لك
المزيد







