منذ ظهورها أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تحولت أغنية «وين الملايين» إلى واحدة من أبرز الأغنيات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، استطاعت كلماتها البسيطة ولحنها الحماسي أن يعكسا حالة الغضب العربي تجاه ما كان يجري في الأراضي الفلسطينية، لتتجاوز حدود ليبيا التي كُتبت ولُحنت فيها، وتصل إلى جمهور عربي واسع.
جاءت الأغنية في سياق انتفاضة الحجارة الفلسطينية التي اندلعت في كانون الأول عام 1987، وهي المرحلة التي شهدت تفاعلاً واسعاً في العالم العربي مع الأحداث الفلسطينية، وكان علي الكيلاني من أبرز الأسماء التي ارتبطت بما عرف بالأغنية الوطنية والتعبوية في ليبيا خلال تلك الفترة.
وتروي الحكايات المتداولة حول ولادة «وين الملايين» أن الكيلاني تلقى طلباً بإعداد عمل فني يتناسب مع حجم الانتفاضة الفلسطينية، ليغادر بعدها ويكتب كلمات الأغنية خلال وقت قصير، قبل أن يتولى صديقه عبد الله محمد منصور تلحينها، وجاء اللحن حماسياً ومباشراً حاملاً في تركيبته مساحات من الشجن والحزن، وانسجم مع طبيعة الكلمات المشحونة بالعاطفة والنداء.
وبعد اكتمال العمل، جرى عرضه على الرئيس الليبي آنذاك معمر القذافي، الذي أبدى إعجابه به، ليبدأ العمل على تسجيله بأصوات نسائية عربية، فاختيرت سوسن الحمامي للمشاركة من تونس، فيما جرى التواصل مع الموسيقار السوري سهيل عرفة لإشراك ابنته أمل عرفة، بينما حضرت جوليا بطرس من لبنان، نظراً إلى حضورها الفني المعروف في الأغنيات ذات الطابع القومي والمرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وسرعان ما خرجت الأغنية من إطارها الليبي، وبثتها محطات تلفزيونية عربية، لتنتشر على نطاق واسع، وتتحول تدريجياً إلى عمل حاضر في المناسبات والتظاهرات المرتبطة بفلسطين.
ولم يتوقف حضور «وين الملايين» عند الانتفاضة الأولى، إذ عادت إلى الواجهة بقوة خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وأصبحت من الأغنيات التي رافقت المشهد الاحتجاجي العربي، ورددها جمهور واسع في فلسطين ومخيمات اللجوء وعدد من الدول العربية.
ورغم مرور عقود على تسجيلها، بقيت «وين الملايين» حاضرة في الذاكرة الغنائية العربية، مستفيدة من بساطة كلماتها وسهولة لحنها وقدرته على الوصول إلى الجمهور، لتصبح أنموذجاً للأغنية التي ارتبطت بحدث سياسي وتجاوزت لاحقاً زمنه ومكانه.
وبذلك بقيت «وين الملايين» أكثر من أغنية عابرة لمرحلة زمنية؛ فقد ارتبطت بذاكرة جيل كامل، وتحولت مع مرور السنوات إلى جزء من الذاكرة الموسيقية العربية المرتبطة بفلسطين، بعدما وجدت طريقها إلى جمهور لم يكن بالضرورة معنياً بالسياق الليبي الذي ولدت فيه، بقدر ما وجد فيها تعبيراً غنائياً عن قضية فلسطينية تجاوزت حدود المكان والزمن.

مصعب أيوب
الوطن -
مواضيع:
المزيد
اخترنا لك
سامر رضوان يحسم الجدل: “كولومبيا” لم يتوقف
منذ يوم واحد
المزيد







