في زحمة الجداول والأرقام والتعليمات التنفيذية التي صدرت مؤخّراً بخصوص الزيادات النوعية على رواتب العاملين في قطاعي التعليم العالي والصحة والتربية، حدث ما تم وصفه بأنه “غبن إداري صامت”، فبينما انشغل الجميع بالفجوات بين الأطباء والمعلّمين، وبين رواتب رؤساء الجامعات ورواتب الممرّضين، مرت فئة بأكملها من دون أن يلتفت إليها أحد: الإداريون، المستخدمون، السائقون، الفنيّون، وكل من حمل على عاتقه، لسنوات، تفاصيل العمل التي لا تظهر في العناوين.
في وزارة التربية والتعليم، سقطت الفئة الخامسة من قوائم التوصيف الوظيفي المستحق للزيادة النوعية وفقاً للمرسوم 68، وكأنهم لا ينتمون إلى مؤسسات التربية، وكأن من يمسح الصفوف وينظف المرافق ويحرّك الأدوات ويقود الباصات ليس جزءاً من العملية التعليمية.
وفي وزارة الصحة، اشتكى الموظفون الإداريون من استثنائهم التام من المرسوم نفسه، رغم أنهم من يدير التعيينات والمخازن والرواتب والمراسلات، ومن دونهم لا يمكن لأي مشفى أن يعمل.

إنهم العمود الفقري الصامت، لكن الصمت لا يليق بهم اليوم.
أما الفئة التي لم ينلها إلا وعود وزير المالية في كل هذا الجدل، فهم كبار القدر المتقاعدون، أولئك الذين قضوا أعمارهم في خدمة الدولة، ثم خرجوا منها براتب لا يوازي اليوم ثمن حزمة أدوية شهرية، ولم يتماشَ مع زيادة فاتورة الكهرباء ولا يوازي ارتفاعاً واحداً في أسعار المحروقات أو أجور النقل.
رواتبهم بقيت كما هي، بينما كل شيء حولهم ارتفع، لم تشملهم لا الزيادات العادية ولا النوعية، وإن كان من منطق العدالة ألا يظل المتقاعد أسير راتب اليوم ثمن خبزه.
لا أحد يطلب المستحيل، لا أحد يطالب بمساواة الطبيب الممارس بالإداري أو المستخدم بمدير المدرسة، لكن الجميع يطلب نظرة إنصاف، فالمستخدمون في التربية والصحة يريدون فقط أن يُذكروا في جداول الزيادات، لأنهم موجودون في ميادين العمل، والمتقاعدون يريدون زيادة استثنائية تعيد للراتب التقاعدي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، بما يتناسب مع أزمة غلاء لا هوادة فيها.
العدالة لا تبدأ من الأرقام، بل من رؤية من يستحق، وإذا كانت الدولة قادرة اليوم على إحداث زيادات نوعية لبعض الفئات، فلتكن قادرة أيضاً على تذكّر من تُركوا خلف الجداول، فالموظف الإداري الذي يمسك ملفات الصحة يستحق أن يكون جزءاً من المنظومة التي يحميها المرسوم، والمستخدم الذي يلملم حقائب الطلاب يستحق أن يكون في قلب الزيادة وليس على هامشها، والمتقاعد الذي حمل الوطن على كتفيه سنوات وسنوات يستحق أن يعيش بقية عمره بكرامة، لا أن يختار بين الدواء والطعام.






