لم يكن استكمال انتخابات مجلس الشعب في الحسكة ومنطقة عين العرب حدثاً إجرائياً عادياً، بل شكّل محطة سياسية تحمل دلالات تتجاوز حدود صناديق الاقتراع نحو إعادة تثبيت فكرة الدولة السورية الواحدة، واستعادة المؤسسات الوطنية لدورها الجامع بعد سنوات طويلة من محاولات تفكيك الهوية السياسية للبلاد.
نجاح العملية الانتخابية، بمشاركة تجاوزت 95 بالمئة وفق ما أعلنته اللجنة العليا للانتخابات، يؤكد أن المزاج الشعبي في الجزيرة السورية يتجه بوضوح نحو الانخراط في مشروع الدولة واستعادة الحياة الدستورية والمؤسساتية، بعيداً عن مشاريع العزل والتقسيم التي حاولت قوى خارجية فرضها خلال السنوات الماضية.
في هذا السياق، رأى مراقبون أن المشهد الانتخابي الذي شهدته مناطق الحسكة والقامشلي والمالكية وعين العرب، عكس رغبة السوريين في تلك المناطق بأن يكونوا شركاء فاعلين في صناعة القرار الوطني، وأن يعودوا جزءاً طبيعياً من المعادلة السياسية السورية الجامعة.

ووفق مراقبين، فإن الأهمية السياسية لهذه الانتخابات لا تتعلق بإتمام استحقاق دستوري، وإنما بما حملته من رسائل داخلية وخارجية، داخلياً، أثبتت الدولة السورية الجديدة قدرتها على إدارة عملية انتخابية في مناطق كانت تصنّف سابقاً ضمن مناطق النفوذ المعقّدة والمتشابكة، وهو ما يعكس نجاح مسار التفاهمات الوطنية والحوار السياسي في إعادة دمج مؤسسات الدولة ضمن الجغرافيا السورية.
أما خارجياً، فإن إجراء الانتخابات في هذه المناطق، يقدّم دليلاً عملياً أمام المجتمع الدولي على أن سوريا تتجه نحو بناء مؤسسات مستقرة وقابلة للحياة، تستند إلى المشاركة السياسية والتعددية وضمان حق الترشح والاقتراع والتعبير.
وفي السياق ذاته، فإن دخول ممثلين عن الحسكة وعين العرب إلى مجلس الشعب يكرّس وحدة الخريطة السياسية السورية تحت سقف المؤسسة التشريعية الواحدة، ما يقطع الطريق أمام أي مشاريع انفصالية أو كيانات موازية، فمجلس الشعب، بوصفه المؤسسة التشريعية الجامعة، يتحول تدريجياً إلى صورة سياسية لوحدة البلاد بكل تنوّعها القومي والاجتماعي والثقافي.
وفي مقابل هذا المشهد الوطني، تبقى محافظة السويداء خارج المسار المؤسساتي بصورة مؤقتة، في ظل نشاط مجموعات مسلحة وشبكات تمتهن تجارة المخدرات والأعضاء البشرية، إلى جانب ميليشيات عابرة للحدود ترتبط بأجندات إسرائيلية تعمل على إبقاء المحافظة في حالة فوضى واستنزاف مستمر، ما يعرقل جهود الدولة السورية في ترسيخ الاستقرار واستكمال مسار التعافي الوطني.
ورغم ذلك، فإن الدولة السورية تتعامل مع السويداء على اعتبارها جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، وهو ما يظهر في ضمان تمثيل المحافظة داخل مجلس الشعب عبر المقاعد التي يحددها رئيس الجمهورية، ما يضمن حضور صوت السويداء داخل المؤسسة التشريعية وعدم عزل أبنائها عن المشهد الوطني العام، وهذه المقاربة تؤكد أن الدولة لا تنظر إلى أبناء السويداء بوصفهم رهائن لهيمنة الميليشيات، بل شركاء يتمتعون بكامل الحقوق في مستقبل سوريا الجديدة.
وبناءً على مجمل المعطيات السابقة، فإن ما جرى في الحسكة وعين العرب يتجاوز كونه نجاحاً انتخابياً نحو كونه إعلاناً سياسياً عن ولادة مرحلة سورية جديدة، عنوانها إعادة بناء الدولة على أسس دستورية ومؤسساتية جامعة، وترسيخ مفهوم المواطنة والشراكة الوطنية، وإغلاق الأبواب تدريجياً أمام مشاريع التقسيم والفوضى.
الوطن – أسرة التحرير








