الرئيس أحمد الشرع يصل إلى جدة واستقباله من قبل الأمير سعود بن مشعل بن عبد العزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة وعدد آخر من المسؤولين

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“اقتصاد الحرب” يعيد رسم ملامح العالم وسط سباق تسلّح وأزمة طاقة متفاقمة

‫شارك على:‬
20

تتسارع مؤشرات “اقتصاد الحرب” على نحو لافت، حيث تسجّل الصناعات العسكرية الأميركية مستويات قياسية من الطلب، بالتوازي مع أزمة طاقة متفاقمة تضرب أوروبا، في ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط واتساع تداعياتها عالمياً.

القطاع الدفاعي الأميركي يبدو اليوم في قلب هذه التحوّلات، مدفوعاً بارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري، إذ أعلنت كبرى الشركات عن زيادة كبيرة في الطلبيات خلال الربع الأول من العام، مع تركّز الطلب على الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المتقدّمة، هذا الزخم لا يقتصر على السوق الأميركية، بل يمتد إلى دول عديدة تسعى إلى إعادة بناء مخزوناتها وتعزيز قدراتها الدفاعية، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار.

ولا يقتصر التوسّع على زيادة الإنتاج فحسب، بل يشمل إعادة هيكلة سلاسل التوريد الدفاعية وتعزيز الاعتماد على الصناعات المحلية، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات العالمية، كما تتجه الشركات إلى تسريع الابتكار في مجالات الأسلحة الذكية والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة الحروب المقبلة، حيث تلعب التكنولوجيا دوراً مركزياً في ترجيح موازين القوى.

وتكشف الاستثمارات الجديدة، التي بلغت مئات ملايين الدولارات لتوسيع الطاقة الإنتاجية، عن توجّه استراتيجي طويل الأمد، يعكس قناعة لدى صنّاع القرار في واشنطن بأن الصراعات الحالية مرشّحة للاستمرار، أو على الأقل لإعادة تشكيل أولويات الأمن العالمي، ويعزّز ذلك مقترح ميزانية دفاعية ضخمة لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار، في واحدة من أكبر زيادات الإنفاق العسكري منذ عقود، بما يشمل تطوير أنظمة الدفاع الصاروخي والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة.

كما يشير هذا التصاعد إلى دخول مرحلة سباق تسلّح أكثر شمولاً، لا يقتصر على القوى الكبرى، بل يمتد إلى دول إقليمية تسعى لامتلاك قدرات ردع متقدّمة، ما يفتح الباب أمام دورة مستمرة من الطلب على السلاح، ويمنح الشركات الأميركية موقعاً محورياً في تلبية هذه الاحتياجات، مستفيدةً من تفوّقها التكنولوجي وشبكة تحالفاتها الواسعة.

في المقابل، لا تبدو أوروبا بعيدة عن ارتدادات هذا المشهد، لكنها تتعامل معه من زاوية مختلفة، إذ تواجه أزمة طاقة متفاقمة نتيجة تعطّل الإمدادات وتهديدات إغلاق مضيق هرمز، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى تبنّي إجراءات تهدف إلى احتواء التداعيات، من بينها خفض الضرائب على الكهرباء وتعزيز التنسيق لإعادة ملء مخزونات الغاز.

غير أن هذه الإجراءات، وفق مؤشرات السوق، تبقى محدودة التأثير أمام توقّعات تُوصف بالقاتمة، حيث يُحذّر مسؤولون أوروبيون من أن الأزمة الحالية قد تضاهي في خطورتها أزمتي 1973 و2022، وخاصة مع استمرار تعطّل سلاسل الإمداد، واحتمال امتداد تأثيرات الحرب لفترات طويلة، حتى في حال التوصّل إلى تسويات سياسية.

ويترافق هذا المشهد مع تشديد أوروبي للعقوبات على إيران، في محاولة للضغط باتجاه احتواء الأزمة، بالتوازي مع تحرّكات لتعزيز الوجود البحري الأوروبي في المنطقة، في مؤشر إلى انتقال التوتر من نطاقه الإقليمي إلى ساحة دولية أوسع.

هذه التطورات تكشف عن معادلة معقّدة: ازدهار متسارع لاقتصاد الصناعات العسكرية، مقابل ضغوط اقتصادية متزايدة على قطاعات مدنية وأسواق الطاقة، ما يعكس عالماً يتجه تدريجياً نحو إعادة ترتيب أولوياته على وقع الصراعات، حيث تتقدّم اعتبارات الأمن والتسلّح على حساب الاستقرار الاقتصادي.

الوطن – أسرة التحرير