وزير التعليم العالي والبحث العلمي:تأجيل الامتحانات والجلسات العملية في جامعة الفرات إلى موعد يُحدّد لاحقا وفق المستجدات حرصا على سلامة الطلبة والكوادر التعليمية

وزير التعليم العالي والبحث العلمي: معالجة مطالب الفئات غير المشمولة بالزيادات النوعية بشكل دقيق وشامل، وسيتم توضيح آلية التنفيذ لضمان حقوقها بشكل عادل.

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

فيضان الفرات.. النانو الاقتصادي في إدارة الماء

‫شارك على:‬
20

الوطن

أكد الخبير الإستراتيجي محمد مظهر أحمد أن فيضانات نهر الفرات في الرقة ودير الزور ليست مجرد حادثة مائية عابرة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها كارثة طبيعية تنتهي بانخفاض منسوب النهر أو بتوزيع بعض المساعدات العاجلة.

وأضاف في حديث لـ”الوطن” إن ما جرى ويجري على ضفاف الفرات يكشف عن مسألة أعمق، تدل على ضعف التخطيط المائي، وهشاشة البنية التحتية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وغياب التخزين المنظم للمياه، وتراكم البطالة في بيئة تملك واحداً من أهم الموارد الطبيعية في سورية.

وأضاف: لقد ارتفع منسوب الفرات في الأيام الأخيرة بصورة لافتة، وتحدثت تقارير صحفية عن تضرر منازل ومحال وحقول زراعية في الرقة ودير الزور، بعد فتح بوابات في سد الفرات لتخفيف الضغط، مع تدفق قُدّر بنحو 1,800 متر مكعب في الثانية واحتمال ارتفاع المنسوب قرابة مترين. وهذه الأرقام لا تعني مجرد خطر آني على السكان، بل تعني أيضاً وجود فائض مائي كان يمكن، لو وُجد التخطيط المسبق، أن يتحول إلى خزانات وبحيرات وأراضٍ مستصلحة ومشاريع تشغيل.

ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي لا يكون: كيف نواجه الفيضان فقط؟ بل: كيف نحوّل الفيضان من تهديد إلى فرصة؟ وكيف نجعل الماء الزائد أداة لحماية السكان، واستصلاح الأرض، وتشغيل العاطلين، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؟

في هذا السياق، تكتسب كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام وجهاء وأعيان دير الزور أهمية خاصة، لأنها وضعت مبدأ عملياً يمكن البناء عليه. فقد نقلت وسائل الإعلام أن اللقاء تناول تداعيات ارتفاع منسوب نهر الفرات والإجراءات المتخذة للتعامل معها، إضافة إلى الملفات الخدمية والتنموية والمعيشية. ونُشرت مقاطع مصورة من اللقاء تضمنت عبارة الرئيس الشرع: “علينا تجزئة المشاكل وحلها بشكل منفصل”. وهذه العبارة، في تقديري، تصلح لأن تكون قاعدة عمل وطنية لا مجرد توصيف إداري.

إن تجزئة المشكلة لا تعني تفتيت الرؤية، بل تعني إدخالها في منهج “النانو الاقتصادي والسياسي”، أي تفكيك الأزمة الكبرى إلى وحدات صغيرة قابلة للفهم والقياس والتنفيذ. فالفيضان ليس ملفاً واحداً، بل مجموعة ملفات دقيقة: حماية السكان، إدارة السدود، تفريغ المياه، إنشاء بحيرات، استصلاح الأراضي، تشغيل العاطلين، تدريب الكوادر، تأمين البذار، إصلاح القنوات، إدخال الطاقة الشمسية، بناء الصناعات الغذائية، وتنظيم الأسواق. وعندما تُفكك الأزمة بهذه الطريقة، تتحول من عبء ضخم إلى مسارات عمل واضحة.

إن دير الزور ليست محافظة هامشية في الخريطة السورية، بل هي عقدة جغرافية واقتصادية وزراعية ومائية. فهي تقع على نهر الفرات، وتملك امتداداً زراعياً وثروة بشرية وذاكرة إنتاجية، كما تمثل بوابة شرقية نحو العراق، وممراً طبيعياً للتجارة والطاقة والزراعة. ولذلك فإن أي مشروع وطني لإعادة الإعمار لا يكتمل من دون إعادة الاعتبار لدير الزور والفرات والجزيرة السورية عموماً.

وبين أحمد أن المطلوب اليوم هو إنشاء وحدة تخطيط الفرات للتفريعات والبحيرات والإنتاج، وهي وحدة وطنية تجمع بين الخبرة الهندسية والزراعية والإدارية والأمنية والمجتمعية. مهمتها ليست الاستجابة الطارئة فقط، بل بناء خريطة دائمة لإدارة فائض مياه الفرات. ويجب أن تعمل هذه الوحدة على تحديد المناطق المنخفضة، ومجاري التصريف، والأراضي القابلة للاستصلاح، والمواقع المناسبة لإنشاء بحيرات تخزينية، والقرى الأكثر عرضة للغمر، والطرق التي يجب حمايتها، ومواقع السواتر والقنوات.

إن شبكة التفريعات المقترحة لنهر الفرات يجب أن تقوم على ثلاثة مستويات: المستوى الأول هو تفريعات الطوارئ، وهي قنوات تُفتح عند ارتفاع المنسوب لتخفيف الضغط عن القرى والمدن. والمستوى الثاني هو تفريعات التخزين، التي تنقل المياه إلى منخفضات طبيعية أو أحواض صناعية لتكوين بحيرات موسمية. أما المستوى الثالث فهو تفريعات الإنتاج، التي تستخدم الفائض المائي في استصلاح أراضٍ زراعية جديدة أو إعادة إحياء أراضٍ تضررت بفعل الحرب والجفاف وغياب الصيانة.

ولا يجوز أن ننظر إلى البحيرات التخزينية بوصفها مجرد مسطحات مائية، بل يجب التعامل معها كمؤسسات إنتاجية. فالبحيرة يمكن أن تحمي من الفيضان، وتخزن الماء للصيف، وتغذي المياه الجوفية، وتخدم الثروة الحيوانية، وتفتح باب تربية الأسماك، وتخلق فرص عمل في الصيانة والنقل والتبريد والتسويق. وهنا يتجلى النانو الاقتصادي والسياسي مرة أخرى: كل بحيرة صغيرة يمكن أن تصبح وحدة تنمية محلية، إذا ارتبطت بخطة زراعية وسوقية وتشغيلية.

ومن الخطأ أن يبقى مشروع الفرات محصوراً في لغة الطوارئ. فالأزمة الحالية يجب أن تدفعنا إلى بناء سلسلة إنتاج متكاملة: ماء، ثم أرض، ثم محصول، ثم تخزين، ثم تصنيع، ثم تسويق.

فإذا ذهب فائض الماء إلى حقول القمح والشعير والذرة العلفية والخضار والأعلاف، ثم ارتبط بمطاحن ومعامل ألبان ومراكز تبريد وتجفيف وتعليب، فإننا لا نكون قد واجهنا الفيضان فقط، بل نكون قد وضعنا أساساً للأمن الغذائي وخفض الأسعار.

إن الأولوية في دير الزور والفرات لا ينبغي أن تكون للمشاريع الريعية أو العقارية، بل للمشاريع الإنتاجية. فالإعمار الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت وحده، بل يبدأ بالماء والكهرباء والخبز والعمل. وعندما تتوافر الكهرباء للمضخات، والماء للأرض، والبذار للفلاح، والطريق إلى السوق، يصبح الاستثمار وسيلة نهوض لا وسيلة احتكار. أما إذا تُرك الاستثمار للمضاربات أو الامتيازات المغلقة، فإنه قد يزيد الأسعار ويعمق الفوارق الاجتماعية.

ومن هنا تبرز أهمية ربط إدارة الفيضان بملف تشغيل العاطلين عن العمل.

فالمشروع المائي لا يجب أن يُنفذ فقط عبر شركات كبرى تأتي وتغادر، بل يجب أن يتحول إلى مدرسة عمل وتأهيل للسكان المحليين. يمكن إنشاء برنامج باسم “العمل مقابل التأهيل”، بحيث يجري تنظيم الشباب العاطلين في فرق عمل مدربة في صيانة قنوات الري، بناء السواتر، تشغيل المضخات، الطاقة الشمسية، الزراعة الحديثة، السلامة من مخلفات الحرب، نظم المعلومات الجغرافية، التصنيع الغذائي، وتربية الأسماك.

إن العاطل عن العمل في هذه الحالة لا يبقى رقماً في البطالة، بل يتحول إلى عنصر في إعادة بناء المحافظة. واليد العاملة التي كانت مهمشة يمكن أن تصبح جزءاً من حماية القرى، وإصلاح الأرض، وإنتاج الغذاء، وإعادة تشغيل الاقتصاد المحلي. وهذا هو جوهر التنمية المنتجة: أن يتحول المواطن من متلقٌّ للمساعدة إلى شريك في الحل.

كما يجب ألا نغفل دور المرأة الريفية في هذا المشروع. فالصناعات الغذائية الصغيرة، مثل تجفيف الخضار، تصنيع الألبان، المخللات، المكدوس، دبس التمر، الأعشاب الطبية، تعبئة البقوليات، ومنتجات التراث الغذائي السوري، يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية للأسر. وإذا رُبطت هذه الصناعات بالتدريب والتمويل الصغير والتسويق الإلكتروني والأسواق المحلية، فإنها ستعيد إحياء جزء مهم من الاقتصاد الاجتماعي.

إن دير الزور لا تحتاج إلى وعود عامة بقدر ما تحتاج إلى تقسيم دقيق للمهام. وهذا ما يجعل عبارة الرئيس الشرع حول “تجزئة المشاكل وحلها بشكل منفصل” ذات قيمة عملية. فالمشكلة المائية تُعالج بخبراء المياه والسدود والقنوات. والمشكلة الزراعية تُعالج بالبذار والري والإرشاد. والمشكلة الخدمية تُعالج بالكهرباء والطرق والجسور. والمشكلة الاجتماعية تُعالج بالتعويض والتشغيل. والمشكلة الأمنية تُعالج بحماية مدنية قانونية لا بعسكرة الاقتصاد. والمشكلة الاستثمارية تُعالج بالشفافية ومنع الاحتكار.

إن الأمن المطلوب للاستثمار في الفرات ليس عسكرة الطرق والمعابر، بل أمن القانون والخدمة والثقة. فالمزارع يحتاج إلى أرض آمنة، والمستثمر يحتاج إلى عقد واضح، والعامل يحتاج إلى أجر مضمون، والقرية تحتاج إلى طريق لا ينقطع، والسوق يحتاج إلى نقل منظم، والدولة تحتاج إلى رقابة تمنع التهريب والفساد والجباية غير القانونية. وحين يتحقق هذا النوع من الأمن، يصبح الاستثمار عاملاً لخفض الأسعار لا لرفعها.

وفي الجانب الإقليمي، يمكن لمشروع الفرات أن يرتبط بدول الجوار، لا بوصفه ملفاً أمنياً فقط، بل بوصفه ملفاً اقتصادياً ومائياً وغذائياً. فالعراق سوق طبيعي للمنتجات الزراعية والغذائية السورية، وتركيا ترتبط بمسألة المياه والتجارة والآلات، والأردن والخليج يشكلان منفذاً للأسواق والتمويل، ولبنان يمكن أن يكون شريكاً في الخدمات والتجارة والمرافئ. لكن هذا الربط يجب أن يكون قائماً على مصلحة سورية الإنتاجية أولاً، لا على تحويل البلاد إلى ممر عبور فقط.

إن المغتربين السوريين أيضاً يجب أن يكون لهم دور خاص في هذا التصور. فبدلاً من حصر أموال المغتربين في شراء العقارات أو الاستهلاك، يمكن إنشاء صناديق استثمار إنتاجية موجهة إلى الري، الطاقة الشمسية، التبريد، التصنيع الغذائي، وتطوير القرى الزراعية.

إن المغترب السوري يمكن أن يكون جسراً بين رأس المال والخبرة والأسواق، بشرط أن يجد بيئة قانونية شفافة وآمنة.

وحتى لا يتحول المشروع إلى شعار، يجب وضع مؤشرات قياس واضحة: عدد القرى المحمية من الفيضان، كمية المياه المخزنة، عدد الهكتارات المستصلحة، عدد فرص العمل التي تم خلقها، عدد المتدربين، حجم الإنتاج الزراعي، انخفاض تكلفة النقل والري، وعدد المشاريع الغذائية التي دخلت الإنتاج. فالتنمية لا تُقاس بالتصريحات، بل بالنتائج.

إن النانو الاقتصادي والسياسي، بوصفه منهجاً للتحليل والعمل، يدعونا إلى ألا نغرق في العناوين الكبرى فقط. فالدولة لا تُبنى بالشعارات العامة، بل بتفكيك كل أزمة إلى وحدات صغيرة: قناة، مضخة، بحيرة، حقل، عامل، دورة تدريب، مركز تبريد، معمل صغير، طريق زراعي، عقد استثمار، وسوق تصريف.

وعندما تتراكم هذه الوحدات الصغيرة، تظهر النتيجة الكبرى: استقرار، إنتاج، انخفاض أسعار، وثقة اجتماعية.

وفي الخلاصة، فإن فيضان الفرات يجب ألا يُقرأ ككارثة فقط، بل كرسالة استراتيجية. لقد قال النهر إن هناك ماءً يمكن أن يذهب هدراً أو يتحول إلى حياة. وقالت دير الزور إن المحافظة لا تريد الإغاثة فقط، بل تريد التخطيط والعمل والإنصاف. وقالت التجربة إن الإعمار الحقيقي لا يبدأ من المركز فقط، بل من الأطراف التي تحمل الماء والقمح والطاقة والعمالة.

لذلك فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المشروع. ومن الطوارئ إلى التخطيط. ومن البطالة إلى التأهيل. ومن الفيضان إلى البحيرة. ومن الأرض المتضررة إلى الأرض المنتجة. ومن المساعدة المؤقتة إلى الاقتصاد المستدام.

إن الفرات ليس خطراً إذا أُدير بعقل الدولة، بل هو فرصة. ودير الزور ليست هامشاً، بل قلب شرقي لسوريا المنتجة. وإذا أحسنّا استخدام النانو الاقتصادي والسياسي في تفكيك الأزمة وبناء الحلول، فقد يتحول الفيضان من مشهد خوف إلى بداية مشروع وطني جديد عنوانه: الماء للعمل، والزراعة للأمن الغذائي، والإعمار للإنسان قبل الحجر.